وأعجب العجب في هذا الصراع الأزلي الأبدي بين الحق والباطل، أنه مع طوله الشديد، وضراوته القاسية، إلا أننا لم نستوعب بعدُ طبيعة هذا الصراع، ولم نستوعب بعدُ ما يجب علينا نحو أعدائنا، ولم نستوعب بعدُ الصورة التي يجب أن يتجسد فيها عداؤنا، ولم نستوعب بعدُ دور كل واحد منا في هذا الصراع غير المتكافئ، ولم ندرك بعدُ ما هو العمل الذي تعبَّدنا الله - عز وجل - به، ويَعذِرنا به مما ألَمَّ بالمسلمين، وما حاق بهم من نكبات، وملمات، وما نستوجب به رضا ربنا عنا، ونستحق به دار رضوانه.
فما من مرة ابتلينا فيها بنوع ابتلاء، وفجعنا فيها في أحد أعضاء جسد أُمتنا الممزق، إلا وخرج المتظاهرون معبرين عن غضبهم، يملؤون الميادين مُجعجعين، وقد ملَؤوا السماء صخبًا وصياحًا، وهتافًا بخطب حماسية، وينشدون بعبارات نارية، ولا ينسون في نهاية هذه المسرحية الهزلية أن يحرقوا رايات لأعدائنا، وصور لزعمائهم، إلى آخر هذه المهزلة السخيفة، ثم لا يلبثون أن يعودوا سراعًا إلى منازلهم لالتهام وجبة غذاء شهية في جو مكيف، راضين عن أنفسهم بما حقَّقوه من إنجازات وهمية وبطولات مصطنعة، وقد ثأروا لأمتهم، ودحَروا أعداءهم، منتظرين كارثة جديدة لإعادة هذه السخافات، والتي لا تزيد أعداءنا إلا استهزاءً بنا، وسخرية منا، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وبعيدًا عن الإطالة فيما لا جدوى من ورائه، فخطابي هذا ليس موجهًا أصلًا إلى هذه الحثالة من الهَمَج الرعاع الذين يرتعون في دنياهم كالأنعام، ولا يعنيهم بعد ملء بطونهم أيُّ شيء في الدين أو الدنيا، هؤلاء الذين لا تراهم إلا متلطخين راتعين في شهوة من شهواتهم الحيوانية، أو منشغلين بنزوة من نزواتهم الرخيصة، وهكذا شأنهم حتى يخرجوا من الدنيا جاهلين بسوء مصيرهم بعد خروجهم منها، كجهلهم بعلة وجودهم فيها، عياذًا بك اللهم من هذا الحال البئيس، هؤلاء الذين أشار إليهم الشاعر بقوله:
أَبُنَيَّ إن مِن الرجال بَهيمَةً = في صُورة الرجل السميع المُبصرِ
فَطِنٌ بكلِّ مُصيبةٍ في ماله = وَإذا أُصيبَ بدِينه لَم يَشْعُرِ
إنما حديثي لهذه الفئة المؤمنة، والتي يحترق كبِدها، ويتمزق فؤادها لما يحدث للمسلمين في سائر بقاع المعمور، هذه الفئة التي أطار التفكير النوم من عينيها الزرَّافتين للدموع، وأرَّق مضجعه، لم تعد لها لذة، ولم تبق لها متعة في هذه الدنيا، ولم تعد تهنأ بمطعم، أو مشرب، أو ملبس، أو بنوم، أو بغير ذلك من شهوات الدنيا، ومع كثرة الأسئلة المتبادرة إلى الذهن في ظل هذه الأحداث