الصفحة 47 من 54

الشوكة إذا أصابت قدمه لا أخرجها الله؛ حتى يقعد عاجزًا عن كل شيء، حتى عن مجرد الوقوف على قدميه، وكلما وقف عليها، ازداد ألمًا من هذه الشوكة، وازدادت هذه الشوكة تمكُّنًا من قدمه.

-وعلى الجانب الآخر (طوبى) - دعوة لهذا العبد الصالح الذي هو عبد الرحمن، وليس كعبد المال الذي سبق الحديث عنه، ويتناقض معه تناقضًا كاملًا؛ دعوة له أن يعيش حياة طيبة طاهرة في الدنيا والآخرة، ذلك العبد الصالح الذي لا يهتم بالمظهر، ولا يستحوذ على ذهنه إلا شيء واحد فقط، ألا وهو أن يكون عمله خالصًا لوجه الله، وهو صباح مساء لا تراه إلا مشتغلًا بطاعة مولاه، لا وقت لديه أن يُصفِّف شعره، فهو أشعث، غير مُمشط، ولا أن يغسل ثوبه، فهو أغبر، مملوء بالتراب، لا يعنيه أن يكون حارسًا للمسلمين، ولا أن يكون خادمًا، يسقيهم الماء، فالذي يعنيه شيء واحد فقط، ألا وهو أن يكون هذا العمل خالصًا في سبيل الله وحده لا شريك له، لا يعنيه أن يكون بسبب رثاثة هيئته، إذا أراد أن يدخل على جهلاء الناس من الهمَج الرعاع عبيد المال، أن يأنفوا من مُجالسته، وإذا طلب من أحدهم شيئًا، لا يلبي أحد له طلبًا، وما يضيره ذلك العبد الصالح! وما عساه أن يحتاج ذلك الذي إذا أقسم على الله، أبرَّ الله قسمه؟!

عندما نراجع ديننا ويطلع الله علينا، فلا يجدنا متحلقين إلا على كتابه - جل وعلا - أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعندما يطلع الله على قلوبنا، فلا يجد فيها غلاًّ، ولا حقدًا، ولا شحناءَ، ولا حسدًا لأي أحد من المسلمين، وعندما يجدها طاهرة من الرياء والسمعة، والعجب والكبر، وسائر الأمراض القلبية الفتَّاكة، وعندما لا يرى لنا ولاءً ولا براءً، إلا لله ورسوله والمؤمنين، فحينئذ فقط نستحق نصره - عز وجل -.

-وحينئذ يأمر الله جميع خلقه أن يقاتلوا معنا، ونضرب مثلًا واحدًا لقوم أخلصوا جهادهم لله وحده لا شريك، وصدقوا في عهدهم معه - سبحانه وتعالى - فما كان منه - عز وجل - إلا أنه سخَّر لهم كائنات من أعظم كائناته؛ لتقاتل معهم، ألا وهي: الشمس، وذلك أن بني إسرائيل لَما أبَوا دخول فلسطين مع موسى - على نبينا وعليه وعلى أنبياء الله ورُسله وملائكته، أشرف الصلاة والسلام - غضِب الله عليهم، وكتب عليهم التيه أربعين سنة، ثم تاب عليهم، وأمرهم بدخول فلسطين مع نبي الله يوشع بن نون - عليه السلام - وكان القتال محرَّمًا على بني إسرائيل يوم السبت، وليلته التي تبدأ بمغرب الجمعة، وبينما كان القتال دائرًا يوم الجمعة، إذ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت