إذًا لا بد لنا من حُجَّاب وشُفعاء من عباده الصالحين، وبالفعل جعلوا اتخاذ الشفعاء من مقتضى تعظيم المولى - جل وعلا.
فهل حمِد الله - عز وجل - لهم هذا الصنيع الفاسد لتأويلهم الباطل؟
كلاَّ وألف ألف كلا وكلا، بل قال كما قرأنا: {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3] .
وقال أيضًا: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18] .
لقد حكم الله - عز وجل - عليهم بالشرك والكفر، وهذا مصير كل من ينساق خلف الأهواء المريضة، والآراء السقيمة، معرضًا عن الآيات البيِّنات والسنن الواضحات، بل والأدهى من ذلك أن أحد الأجلاء من الأصحاب - رضي الله عنهم - أجمعين قد وقع في فعلٍ شنيع ما كان يتصور وقوعه فيه قط، وهذا ما جاء في حديث معاذ - رضي الله عنه - والذي يرويه ابن أبي أوفى، قال:"لما قدِم معاذ بن جبل من الشام، سجد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( ما هذا يا معاذ ) )؟! قال: يا رسول الله!"قدِمت الشام، فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم، وأساقفتهم، فأردتُ أن أفعل ذلك بك، قال: (( فلا تفعل؛ فإني لو أمرت شيئًا أن يسجد لشيء، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفسي بيده، لا تؤدي المرأة حقَّ ربها، حتى تؤدي حقَّ زوجها، حتى لو سألها نفسها وهي على ظهر قتَبٍ، لم تمنعه ) )؛ (ك) .
والشاهد من الحديث أن هذا صحابي جليل، بل ومن أعلم الصحابة - رضي الله عنهم - أجمعين، وعندما أراد أن يعبد الله - عز وجل - بتوقير النبي - صلى الله عليه وسلم - من رأيه هو بغير نص شرعي، وقع في فعل بشعٍ، وإن لم يكن يكفر بمثل هذا؛ لأمرين:
أولهما: إنه لم يكن عالمًا بذلك.
وثانيًا: لأنه أذعن سريعًا بالاستجابة لما نهاه عنه - صلى الله عليه وسلم - ولم يُصر بعد أن قد علَّمه الله - عز وجل -.
فمن هنا تعلم يقينًا لا مِرية فيه، أن البداية لطريق الهداية لا يمكن أبدًا أن تكون إلا أن يجعل كل مسلم وقتًا من يومه يطلب فيه العلم الشرعي، يتعلم فيه كتاب ربه - جل وعلا - وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ويتعلم فيه الحلال والحرام، ويجلس في مجالس يتذكر فيها الجنة والنار، والبعث والنشور، وفتن آخر الزمان، وكيفية النجاة منها، ويتذكر فيها فقه العبادات.
ومن خلال هذه المجالس تستطيع أن تعرف الدور الإيجابي الذي يجب أن تقوم به نحو أمتك المسلمة، ويجب أن نعلم جميعًا بأنه ليس بيننا أحد عاجز عن خدمة أمته بنوع خدمة جليلة، فما