ولو كان ترتيب نزول السور غير ذلك، لَما وجدنا هذه الأمثلة الرائعة، والتي تعددت بتعداد كل تشريع إلهي جديد ينزل عليهم، هذه الأمثلة المدهشة في سرعة الاستجابة، والإذعان المطلق لشرع الله - عز وجل - في كل ما دقَّ وجلَّ من الأمور التي تستأهل أن يُفرد لها مصنَّف مستقل.
وهكذا فإن الله - عز وجل - لم يُنزل التشريعات الإلهية إلا بعد أن تغيَّرت التركيبة الداخلية للناس تغيُّرًا جذريًّا، بحيث لم يعد لديهم أي تساؤل يؤرقهم، ولم تعد أي قضية تشغل بالهم إلا كيفية النجاة من النار والفوز بالجنة، ونيل رضا الرحمن - جل وعلا.
ومن هنا تظهر لنا الإجابة على السؤال السابق؛ أعني: كيف أستطيع الوصول إلى درجة الصحابة - رضي الله عنهم - في سرعة استجابتهم، وإذعانهم المطلق لشرع الله - عز وجل -، فالإجابة هي: يجب تعبئة النفوس.
أولًا: شوقًا إلى الجنة ورغبة فيها، وحذرًا من النار ورهبةً منها، فإذا حدث ذلك، وأصبحت النفوس مهيَّأة للتشريع، فحينئذ - وحينئذ فقط - يسهل على النفس القيام بالتشريع الإلهي حق القيام.
وهذا ما يشير إليه الحديث الذي رواه جندب بن عبدالله البجلي - رضي الله عنه - قال:"كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن فتيان حزاورة - حزاورة: جمع حزور، يقصد به: الغلام قد اشتدَّ، ولم يبلغ، وقد أوشَك - فتعلَّمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا به إيمانًا"؛ (جه) .
وهكذا يجب أن نتعلم الإيمان قبل القرآن.
إني سائلك أخي عما يحدث لنبات نُزِع من الأرض، ما بقاؤه [هل يبقى] حيًّا؟
وإني سائلك عن مصباح ليس فيه زيت، ما بقاؤه [هل يبقى] مضيئًا؟
وإني سائلك عن محرك لم يعد به وقود، فأنَّى له أن يعمل أو يتحرك؟!
-ألا وإن القلب مثل هذا النبات، أو المصباح، أو المُحرِّك.
-والتشريع الإلهي مثل الحياة للنبات، والضياء للمصباح، والحركة للمحرك.
-والطاعات والعبادات مثل الماء للنبات، والزيت للمصباح، والوقود للمُحرك.
-فكما أنه لا حياة للنبات بغير ماء، ولا ضياء للمصباح بغير زيت، ولا حركة للمحرك بغير وقود.
-كذلك القلب لا طاقة له، ولا قدرة له على القيام بالتشريع الإلهي حق القيام، ما لم يكن تم تزويده بما يلزمه من طاعات وعبادات، وعلى قدر ما شُحِن به القلب من هذا الوقود الطاهر،