الصفحة 38 من 54

تأليف مصحف عائشة - رضي الله عنها - وذلك أنه يقرأه غير مؤلف؛ أي: بترتيب غير ترتيب مصحفها، فصحَّحت - رضي الله عنها - فَهْمه كذلك، وأخبرته بأن قراءة المصحف بالترتيب الذي هو عليه الآن، ليست واجبة، ولا يضير الإنسان أن يقرأ سورة قبل أخرى، وذلك أن الترتيب الحالي ليس هو نفس الترتيب الذي نزل به القرآن على محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم أخبرت بترتيب النزول القرآني لما فيه من فائدة جليلة، وحكمة نفيسة، لا يعلم قدرها إلا أهل الفقه والحكمة ومَن أولى منها بذلك - رضي الله عنها - فأخبرته أن الله - عز وجل - كان يتعاهد المسلمين في بداية الإسلام بالسور التي تتحدث عن الجنة وتُرغب فيها، وتذكِّر بما أعده الله لأهلها من النعيم والكرامة، وتتحدث عن النار وتُحذِّر منها، وتذكِّر بما أعده الله لأهلها فيها، نعوذ بالله - عز وجل - أن نكون من أهلها، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام؛ أي: رجعوا إليه، وذلك أن الإنسان يولد على فطرة الإسلام، لكنه يستبدل الجاهلية بها، وعندما يتمسك بشريعة الحق - جل وعلا - يكون بذلك قد رجع إلى فطرته البيضاء التي خلقه الله - عز وجل - عليها، ويقال كذلك: ثاب العليل أو المريض؛ أي: عادت إليه صحته، وصلَح بدنه، وقَوِيَت صحته.

وكذلك الإنسان عندما يصل إلى حقيقة الدين، تعود إليه صحته وقوته، وحقًّا إن الأمراض مهما كَثُرت، والأدواء مهما تعدَّدت، والأوبئة مهما تنوَّعت، فليس هناك مرض ولا داء، ولا وباء شر وأخبث من داء الجاهلية الذي يشفيه الله بالإسلام، ويقال كذلك: ثاب الرجل؛ أي: انتبه من نومه أو غفلته، وهذا صحيح كذلك؛ إذ العائد إلى الإسلام قد انتبه من غفلة الجاهلية، وأي غفلة شر من هذه الغفلة التي توجب لصاحبها الخلود في النيران عياذًا بالله؟!

والخلاصة أن الناس عندما انتبهوا من غفلة الجاهلية، وأحيا الله موت قلوبهم بالقرآن، وأصبح كل التفكير الذي يستحوذ على عقول الناس هو:

-كيف ينجون من النار؟!

-وكيف ينعمون بالجنان؟!

حينئذ فقط أصبحت النفوس مؤهلة للقيام بأي عمل يكون سببًا في النجاة من النار التي لا يخافون سواها، أو يكون سببًا بالفوز بالجنان التي لا يرجون غيرها.

وعندما تغلغل الإسلام في سويداء القلوب، بدأ التشريع الإلهي ينزل على قلوب خصبة قد أُهِّلت أقدس تأهيل؛ ليُغرس فيها أطهر غرسٍ، فما لبث غيث الوحي أن نزل على تربة الإيمان الصادق في القلوب، حتى أنبتت ثمار الطاعة المطلقة، ونمت عروشها الوارفة؛ لتُظِل هذا المجتمع المسلم الطيب الطاهر الذي طهره الله بالإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت