الصفحة 31 من 54

حتى إن أفضل مشاركة يمكن أن يقوم بها كِيان مسلم نحو ما ألَمَّ بأخيه من الاعتداء، هي الشجب والتنديد والاستنكار، إلى آخر هذه المهازل السخيفة، والتي لا تسترد حقًّا، ولا تردع غاصبًا، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ألم يأن بعدُ أن يكون كل منا لأخيه كما قال - صلى الله عليه وسلم: (( المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص - أي الجدار الصلد في تماسكه وترابطه - يشد بعضه بعضًا، وشبك بين أصابعه) ؛ (خ) .

ألم يأن بعد أن يشدَّ كل منَّا بأزر أخيه في الشدائد والمحن، لا كما نحن الآن يثبط بعضنا بعضًا، ويحارب بعضنا بعضًا، ويمكر بعضنا لتدمير بعض، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

يا أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - كلمة واحدة:"وحِّدوا صفَّكم قبل أن تحلَّ عليكم لعنة فيها فساد دنياكم وآخرتكم."

يا أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - لم ولن ينزل علينا نصر الله - عز وجل - حتى نوحِّد صفنا، وأحسب أنه قد آن لنا أن نفيق لأنفسنا، ونصحوا لأعدائنا، وأن نتهيَّأ لاسترداد عزَّتنا، وأن ندخر كلَّ حقدٍ وعداوة، ومكر وكيد ودهاء لأعداء الله - عز وجل - وأن نُصلح ذات بيننا.

حقًّا إنها لفرصة لرأب الصدع، وتوحيد الصف، ونبذ الخلافات، والتسامي على حظوظ النفس الأمَّارة بالسوء، وتطهير القلوب من الأحقاد أو الشحناء والضغائن، وسائر أمراضه الفتَّاكة.

وإن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

ما أهون الخلق على الله - عز وجل - إن هم أضاعوا أمره:

إن الآلام مهما عَظُمت والكروب مهما اشتدَّت، فليس هناك أصعب ولا أشنع ولا أبشع من أن يرى المسلم نفسه هيِّنًا على أهل الأرض، فإذا رفَع يده إلى السماء يا رب! يا رب! يا رب! فإذا به يجد نفسه أشد هوانًا على أهل السماء، فحينئذ ماذا عساه أن يصنع؟!

وأيَّ طريق يمكن أن يسلك؟!

إن أولى ما ينبغي فعله: أن نسأل أنفسنا لماذا بلغ بنا الهوان على الله - عز وجل - هذا المبلغ الشنيع؟!

وللإجابة على هذا السؤال، نتدبر هذه القصة الصحيحة التي يرويها عبدالرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال:"لما فتحت مدائن قبرص، وقع الناس يقتسمون السبي، ويفرقون بينهم، ويبكي بعضهم على بعض، فتنحَّى أبو الدرداء، ثم احتبى بحمائل سيفه، فجعل يبكي، فأتاه جبير بن نفير، فقال: ما يبكيك يا أبا الدرداء؟ أتبكي في يوم أعزَّ الله فيه الإسلام وأهله؟! وأذل فيه الكفر وأهله؟! فضرب أبو الدرداء - رضي الله عنه - على مَنْكِبيه، ثم قال: ثَكلتك أمك يا جبير بن نفير! ما أهون الخلق على الله إذا تركوا أمره، بينا هي أمة قاهرة - أي: أهل قبرص - ظاهرة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت