فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 31

والجمهور يرى أن الصياغة ليس لها أثر، فعندما تبادل ذهبًا مُصَنَّعًا بذهب غير مُصنّع فلو كان هناك زيادة مقابل التصنيع فإنه ربا ولا أثر للصياغة.

والراجح خلاف ما عليه الجمهور، لقول الله - عز وجل: چ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ چ [1] .

ووجه الدلالة منها: أن الناس محتاجون إلى شراء الذهب والفضة المصوغ، ولا وسيلة لهم إلى ذلك إلا بالزيادة في مقابل الصنعة، وذلك أن الصائغ العاقل لا يبيع المصوغ من الذهب والفضة بجنسه وزنًا، لأنه سفه وإضاعة للصنعة، والشارع قد نفى الحرج عن هذه الأمة، والقول بمنعها يلزم منه ذلك.

قال الإمام ابن القيم:"وإما إن كانت الصياغة مباحة -كخاتم الفضة وحلية النساء، وما أبيح من حلية النساء وغيرهما- فالعاقل لا يبيع هذه بوزنها من جنسها؛ فإنه سفه وإضاعة للصنعة."

والشارع أحكم من أن يلزم الأمة بذلك، فالشريعة لا تأتي به، ولا تأتي بالمنع من بيع ذلك وشرائه لحاجة الناس إلى ذلك؛ فلم يبق إلا أن يقال: لا يجوز بيعها بجنسها ألبتَّة، بل يبيعها بجنس آخر، وفي هذا من الحرج والعُسْر والمشقة ما تتقيه الشريعة؛ فإن أكثر الناس ليس عندهم ذهب يشترون به ما يحتاجون إليه من ذلك، والبائع لا يسمح ببيعه ببر وشعير وثياب؛ وتكليف الاستصناع لكل من احتاج إليه إما متعذر، أو متعسر" [2] اهـ."

وبيان ذلك: أن الصائغ إذا صاغ حليًا وأراد بيعه فلا يخلو:

إن ألزمناه ببيعه بجنسه متساويًا هضمنا حقه وجهده الذي يستحق عليه أجرًا في العادة فصار من أكل مال المسلم بالباطل.

وإلزامه بالتبرع بالصياغة للناس مجانًا قول لم يقل به أحد من العلماء، كما إن إلزام الناس بتعلم الصياغة ليغنوا أنفسهم عن الصاغة قول لم يقل به أحد من العلماء.

وإلزامه بالبيع بجنس آخر لا يخلو من ضرر ظاهر؛ إذ ليس كل الصاغة يرضى بالبر والشعير ثمنًا، ثم إذا صار المبلغ كبيرًا فكم يحتاج من الجهد والوقت لحمل هذه الأثمان، وإذا لم يرض الصائغ بالجنس الآخر

(1) سورة الحج، من الآية [78] .

(2) إعلام الموقعين (3/ 405 - 406) ، وانظر: مجموع الفتاوى (25/ 158 - 159) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت