تفاعل أو اتفاق اجتماعي. فمن يخطئ في اللغة، أو يرتكب هفوة ما في انتهاك معاييرها اللسانية، فإنه يتعرض لعقوبات مادية ومعنوية، كالسخرية من أخطائه، أو معاقبته بعدم النجاح، إذا كان الخطأ متعلقا بامتحان مصيري ما. وفي هذا الصدد، يقول علي عبد الواحد وافي:"فاللغة في كل مجتمع نظام عام يشترك الأفراد في اتباعه، ويتخذونه أساسا للتعبير عما يجول بخواطرهم، وفي تفاهمهم بعضهم مع بعض."
واللغة ليست من الأمور التي يصنعها فرد معين أو أفراد معينون، وإنما تخلقها طبيعة الاجتماع، وتنبعث، عن الحياة الجمعية، وما تقتضيه هذه الحياة من تعبير عن الخواطر، وتبادل للأفكار وكل فرد منا ينشأ، فيجد بين يديه نظاما لغويا يسير عليه مجتمعه، فيتلقاه عنه تلقيا بطريق التعليم والمحاكاة، كما يتلقى عنه سائر النظم الاجتماعية الأخرى، ويصب أصواته في قوالبه، ويحتذيه في تفاهمه وتعبيره.
واللغة من الأمور التي يرى كل فرد نفسه مضطرا إلى الخضوع لما ترسمه. وكل خروج على نظامها، ولوكان عن خطإ أو جهل، يلقى من المجتمع مقاومة تكفل رد الأمور إلى نصابها الصحيح. وتأخذ المخالف ببعض أنواع الجزاء. فإذا أخطأ فرد في نطق كلمة ما، أو استخدمها في غير مدلولها، أو خرج في تركيب عبارته عن القواعد التي ترسمها لغته، كان حديثه موضع سخرية وازدراء من مستمعيه، ورموه بالغفلة والجهل، وقد يحول ذلك دون فهمهم لما يريد التعبير عنه. وليس هذا مقصورا على الخطإ الذي يسع الناطق إصلاحه، بل إن الخطأ الذي لايمكنه إصلاحه، لنشأته مثلا عن خلل طبيعي في أعضاء النطق، قد يثير هو نفسه لدى السامعين بعض ما يثيره غيره من الأخطاء. ويجر على صاحبه بعض آلام ومتاعب في تعبيره وتفاهمه. وإذا حاول فرد أن يخرج كل الخروج على النظام اللغوي، بأن يخترع لنفسه لغة يتفاهم بها، فإن عمله هذا يصبح ضربا من ضروب العبث العقيم، إذ لن يجد من يفهم حديثه، ولن يستطيع إلى نشر مخترعه هذا سبيلا." [1] "
(1) - علي عبد الواحد وافي: اللغة والمجتمع، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القهرة، مصر، الطبعة الأولى سنة 1971 م، ص:4 - 5.