تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: (( قد كان مَن قبلكم، يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون ) ) [1] .
رابعًا: التعدي، وإلحاق الأذى الجسدي: لم يكن يتصور صحابةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم، أن يصل الأمر بقريش إلى الاعتداء على الأحرار والأسياد ممن أسلموا، ناهيك عن الشك في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، أو التعرض له، وهو من أصل معروف، ومكانة مرموقة، وسيرة طيبة عطرة.
تعرَّض النبي صلى الله عليه وسلم للطعن والشتم من خاصة عشيرته دون غيرهم، إلا أن الأمر لم يطُلْ؛ حيث اشتد عليه اللمز والهمز بعد إعلان الدعوة وخروجها من دار الأرقم بن أبي الأرقم؛ حيث اعتبرت قريش هذا إعلان حرب عليهم وعلى ما يعبدون من دون الله، وهذا له ما له من تأثير على القوافل والتجار والزائرين للبيت العتيق، وينال من هيبة قريش أمام الآخرين.
النبي صلى الله عليه وسلم كان يدرك أن هذا التحدي سيكون أكثر وقعًا على نفوس أصحابه - رضي الله عنهم - ومن هنا نؤكد على أن"عملية التخطيط تكون إستراتيجية؛ لأنها تتضمن اختيار ما هو أفضل استجابة للظروف التي تشكل بيئة ديناميكية، وربما في بعض الأحيان عدائية" [2] .
"وباستقراء الأحداث والكشف عن مكنون الخطة النبوية، نرى أن الهدف من هذا الانضباط النفسي العالي هو تمكين كل فرد من قراءة حساب دقيق، ليس لنفسه كفرد، ولا لبعض إخوانه فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى التقدير الجيد .. المفضي بهم إلى الخروج من ذواتهم إلى الدوران مع مصلحة دعوتهم ومشروعهم الحضاري" [3] .
وفي ذات الوقت يعلم صلى الله عليه وسلم لما استشرفه من حسن التوكل، ومن ثم مطالعة الأحداث الماضية ودراسة الحاضر: أن إشراقة المستقبل واعدة.
(1) صحيح البخاري، سبق ذكره.
(2) من مقال (التخطيط الإستراتيجي) لمحمد حسن، سبق ذكره.
(3) منهج النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة، ص 118، سبق ذكره.