الصفحة 29 من 34

المبحث الثالث

التصور العام للخطة الاستشرافية للنبي صلى الله عليه وسلم

إن الخطة المحكَمة تستدعي تعميق البحث، وتكثيف الجهود؛ لضمان انطلاقة سليمة موفقة"وليس المعنى من التخطيط أن ترسم الطريق إلى الهدف فحسب، بل أن تستشرف العقبات والمعوقات، وتسعى في إيجاد الحل الملائم لها مسبقًا" [1] ، و"الرؤية والهدف الإستراتيجي الشخصي لا يشمل تحقيق أغراض ذاتية فقط، وإنما يمتد ليشمل المجتمع .. ولا ينتهي التخطيط الإستراتيجي الشخصي بالحياة الدنيا، وإنما يمتد ليشمل الدار الآخرة؛ فأي تخطيط لا يساعد صاحبه للعبور بسلام للدار الآخرة هو تخطيط قاصر، متاعٌ لعددٍ من السنوات، وخسارة مؤبدة في الآخرة؛ إذ إن مفهوم الرؤية الشخصية يعبر عن الحُلم الشخصي، أو الوضع الذي يرغب الشخص في تحقيقه في نهاية الإستراتيجية الشخصية، إن مفهوم الإدارة الإستراتيجية يقوم على تحديد وتحقيق الحُلم الوطني .. وبالتالي فإن مفهوم الرؤية الشخصية يجب أن يعبر عن جانب مما تود أن تكون عليه الدولة في المجال المعين، فيتم تحديد الحُلم الوطني في هذا الإطار، مما يعني مراعاة القدرات الشخصية للأفراد، ومراعاة المصالح الوطنية في ذات الوقت" [2] .

فالنبي صلى الله عليه وسلم حصر علم الغيب المطلق في الله تعالى سبحانه، ولم يمنع ذلك من التخطيط والتنبؤ بالمستقبل ضمن المعطيات والأحداث، وهي قراءة استشرافية صحيحة، وهذا ما أجازه صلى الله عليه وسلم،"وبهذا قدم للبشرية خدمة عظيمة؛ لأنه وجهها إلى دراسة المستقبل وفق أسس علمية سليمة، ومنع طاقتها من أن تهدر في الخرافة والخطأ والضلال، فلا عجب إذًا أن يسبق المسلمون إلى اكتشاف المنهج التجريبي في العلوم، وأن يؤسسوا بعضها لأول مرة؛ كعلم الاجتماع، وتفسير التاريخ والجغرافيا البشري."

توقع المستقبل والتخطيط له أمورٌ لا تتعلق فقط بمجال الاعتقاد والعمل، بل أيضًا بالأدب، وقد نبهنا نبينا العظيم عليه الصلاة والسلام على مجموعة من الآداب التي ينبغي للمسلم أن يتخلَّق بها ويراعيها في تعامله مع الزمان الآتي، وأذكر منها: الاستثناء في المستقبل: وهو من أهم آداب المستقبلية، ومعناه أنك حين تتوقع أمورًا ما أنها ستكون، فإنك - بقلبك ولسانك - تربط

(1) العالم الإداري: هنري فايول.

(2) من مقال (التخطيط الإستراتيجي الشخصي) للدكتور محمد حسين أبو صالح، السودان بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت