والمفكرين على ما تشتمل عليه ألفاظها ومعانيها من دلائل كونها من عند الله، وأن لا قِبَل لواحد من البشر أن يأتي بمثلها ألفاظًا وتراكيب ومعاني وهديًا.
ولا جرم أن ذلك كله مستكثر للموقنين بدلالتها، الذين يؤمنون بصدق الرسول الذي أتى بها؛ فيكون أتباعه أكثر من أتباع غيره، ضرورة أنهم يتزايدون على طول الزمان.
وقد انحصر عدد أتباع الرسل الآخرين بانتهاء مدد شرائعهم، وأن لا يقبل من أحد إتباع واحد منهم بعد انتهاء أمد شريعته بالنسخ، فالناس بعد بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - قسمان: قسم هم أتباعه، وقسم لم يتبعوه، فهم لا يلحقون بأحدٍ من الرسل؛ إذ لا ينفع أتباع أحد من الرسل الماضين بعد مجيء الرسول العاقب - صلى الله عليه وسلم - كما قال عيسى عليه السلام في الإنجيل: «لكن الذي يصبر إلى المنتهى فهو يخلص ويكرز ببشارة الملكوت ثم يكون المنتهى» .
وقع فيه قوله [6: 228، 10] :
(لعلِّي أُؤلِّفُ القرآن عليه فإِنَّه يُقرأُ غير مؤلَّفٍ) .
الظاهر أن ذلك قبل أن يرسل عثمان بن عفان - رضي الله عنه - بالمصاحف إلى الآفاق؛ لأنه أرسل مصحفًا إلى العراق، والسائل يقول فإنه: «يقرأ غير مؤلف» ، وأراد بالتأليف ترتيب السور بالمصحف لقول عائشة له: «وما يضرك أيَّه قرأت قبل» أي: القرآن، أي أيَّ سورة، وروى (أية) بالتأنيث، أي أيَّة سورةٍ قرأت.
ووقع فيه قول عائشة [6: 228، 13] :
(ولو نزل أوَّل شيءٍ: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا) .
يحتمل أنها أرادت: لقال المشركون: لا ندع الخمر أبدًا، أي لامتنعوا من الدخول في الإسلام؛ لئلا يتركوا شرب الخمر، وليست تريد أن المسلمين يقولون ذلك؛ لأنهم منزهون عن معصية الرسول - صلى الله عليه وسلم -.