كما أن الإيمان اليقيني بالآخرة بعثا ونشورا وحسابا عدلا وخلودا في نعيم أبدي أو عذاب مقيم، وما يتعلق بذلك كله من معتقدات بينها الكتاب والسنة، هو جُمَّاع العبادة عقيدة وشريعة، يقينا في القلب وعملا بالجوارح واتقاء لمحاذير المصير.
إن الإيمان بكل هذه المقومات التي ذكرت في هذه الآيات الكريمة من سورة البقرة يمثل كيانا حركيا حيا يسعى في الأرض، ونظاما للحياة كفيلا بتحقيق سعادة الدنيا والآخرة، بناء للمجتع على الرخاء والأمن والتعاون والتآزر، وتكريسا للمحبة بين البشر، بصفتهم أبناء لأب واحد وأم واحدة، وعبادا لرب واحد رحيم كريم حليم حكيم، هذا ما وعاه تلميذ المدرسة المحمدية الأول الإمام علي كرم الله وجهه، عندما سأله رجل قائلا:"يا أمير المؤمنين ما الإيمان أو كيف الإيمان؟"قال الإمام علي:"الإيمان على أربع دعائم: على الصبر واليقين والعدل والجهاد، والصبر على أربع شعب: على الشوق والشفَّق والزهادة والترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سَلِيَ عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن الحرمات، ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات، واليقين على أربع شعاب: تبصرة الفطنة وتاويل الحكمة وموعظة العبرة وسنة الأولين، فمن تبصر الفطنة تأول الحكمة، ومن تأول الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة عرف السنة، ومن عرف السنة فكأنما كان في الأولين، والعدل على أربع شعب: على غائص الفهم وزهرة الحلم وروضة العلم وشرائع الحكم، فمن فهم جمع العلم، ومن حلم لم يضل في الحكم، ومن علم عرف شرائع الحكم، ومن حلم لم يفرط أمره، وعاش في الناس. والجهاد على أربع شعب: على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في المواطن وشنآن الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمنين، ومن نهى عن المنكر أرغم آناف الفاسقين، ومن صدق في المواطن فقد قضى الذي عليه، ومن شَنِئَ المنافقين غضب لله وغضب الله له فأزلفه وأعلى مقامه"، فقام الرجل فقبل رأسه.
ثم لما أخبر تعالى بهذه الصفات، قرر ثمارها للمتصفين بها فقال: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، أولئك على هدى من ربهم، لأنهم اتبعوا الكتاب الذي أرشد إليه الخطاب الرباني عند افتتاح السورة بقوله تعالى {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} ، فآمنوا بالغيب وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقهم الله، وآمنوا بما أنزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى الأنبياء قبله عليهم السلام، وأيقنوا بالدار الآخرة فاستعدوا لها بالعمل الصالح وامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وأولئك هم المفلحون في الدنيا والآخرة، لأنهم فازوا بالمغفرة والرضا والنعيم المقيم. لقد كانت خطواتهم في الدنيا على الهدى توفيقا من الله وتسديدا، وعاقبة أمرهم في الآخرة فلاحا ونجاحا {فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} آل عمران 148.