أما قوله تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} فالعُسْرةُ والإعسار الفقر وقِلّة ذات اليد، والمعنى: إن كان المدين في معاملة ربوية أو غير ربوية عاجزا عن أداء أصل الدين فليس للدائن إلا أن ينظره إلى ظروف يسر يصيبها فيرد إليه رأس ماله من دون ربا {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} ، والنظرة لغة هي الإمهال والتأخير في الأمر، من أنظرته بمعنى أمهلته، والميسرة واليسار الغنى والقدرة على الأداء.
هذا هو العدل في هذه الحالة، حالة إعسار المدين وعجزه عن الوفاء بدينه الذي ركبه في المعاملات الربوية بعد أن حرمت، يبقى في ذمته رأس مال الدائن دون زيادة، وينظر إلى حين اليسار والقدرة.
إلا أن العلاقات الجديدة التي أسسها الإسلام بين أهله ليست مبنية على العدل وحده، إنها مبنية على الإحسان والمكارمة أيضا، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} النحل 90، لذلك نبه رب العزة عباده إلى مندوب الإحسان في هذه العلاقة بعد أن بين واجب العدل الذي هو الأداء والإمهال، فقال: {وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ، أن تتنازلوا للمدين عن رأس مالكم وتجعلوه صدقة عليه في سبيل الله تعالى خير لكم، إن كنتم تعلمون مقدار أجر الصدقة وما يكتبه تعالى لمن يوسع على غريمه المعسر. قال صلى الله عليه وسلم: (من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه) ، وقال: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) . وروى الإمام مسلم (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ فَتَوَارَى عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُعْسِرٌ، فَقَالَ: آللَّهِ، قَالَ: آللَّهِ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ) .
ثم ختم الله عز وجل آيات تحريم الربا هذه بقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} ، وهي الآية التي يعدها الجمهور آخر ما نزل من القرآن الكريم، فقيل نزلت قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بتسع ليال ثم لم ينزل شيء، وقيل بثلاث ساعات، وروي أنه عليه السلام قال: (جاءني جبريل فقال: اجعلها على رأس مائتين وثمانين آية من البقرة) وأنه قال: (اجعلوها بين آية الربا وآية الدين) . والمراد بها الأمر بالإعداد ليوم القيامة، إذ تعطى كل نفس وافي جزائها خيرا أو شرا، لا تظلم بزيادة عقاب أو نقص ثواب.
بهذه الآيات الكريمة حسم القرآن الكريم بالتحريم القاطع أمر هذه الآفة الاجتماعية في مهدها، وطهر منها المجتمع الإسلامي فطابت مكاسب المسلمين ومطاعمهم وسادت الرحمة والرأفة بينهم، وانطلقوا في الآفاق حاملين مشعل النور ينشرون الخير والنماء والرفاهية والعلم، إلى أن كبا بهم الزمان وتخلفوا عن ركب الحضارة وانبعثت فيهم جذور