وَلَا وَلَدًا الجن 3، انفرد الرب سبحانه بالوحدانية والعظمة والكبرياء وجميع صفات الكمال، وجعل خلقه من زوجين يتلاقحان فتستمر الحياة تناسلا وتكاثرا، وقال: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} الذاريات 49، وقال: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} النجم 45، هذه سنة الله في الخلق، يتفكر فيها من تفكر فيهتدي إلى وحدانية الله وقدرته، ويغفل من غفل فيضل ويشقى، في الإنسان والحيوان والنبات ودقيق المخلوقات، ما يرى بالعين المجردة وما لا يرى إلا بالوسائط العلمية، وما لا يرى أو يعلم مما استأثر الله تعالى بعلمه، لكل زوجين نظام حياة للبقاء والتعايش والتفاعل والتلاقح، إلا أنه تعالى وقد حمل الإنسان أمانة العقيدة وتكاليف مقتضياتها عبادة في الدنيا ومحاسبة في الآخرة، جعل له نظاما يليق بشرف هذه الأمانة وعلو هذه المكانة، وشرع له من تشريعات الحياة الزوجية ما يساعده على القيام بواجبه ويحقق مقصد خلقه وإيجاده، فسبحانه وتعالى جل جلاله وعز سلطانه {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ} يس 36.
ولئن كان لما سوى الإنسان نظام فطرة للتزاوج والتناسل وحفظ النوع، يناسب طبيعته ومقصد خلقه وتسخيره، فإنه تعالى خص الإنسان بنظام تشريعي يجمع بين هدف حفظ النوع واستمرار الحياة في الدنيا، وهدف العبادة إعدادا للآخرة، وجعل لهذا النظام أصلا راسخا في الملأ الأعلى وضمير الغيب، إذ خلقه من نفس واحدة جعل منها الذكر والأنثى، {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} الأعراف 189، {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} الزمر 6، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} الحجرات 13، وجعل نظام الأسرة وعلاقة الذكر بالأنثى تعاقدا ومعاشرة وتعاونا آية من آيات رحمته ولطفه وعنايته بخلقه فقال: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الروم 21.
ولئن شذ قوم عما قرره تعالى للحياة الأسرية، فانتحلوا لأنفسهم نظما ناشزة عن طبيعة الحياة ومقاصدها وتكاليفها، عقودا زوجية ضالة بضلال معتقداتهم، أهل كتاب ولادينيين وعبدة أوثان، فإن الحياة الزوجية في الإسلام بما لها من ثقل التكاليف وخطورة الأهداف، لم يجعل الله تعالى وثاقها مجرد صك تجاري عابر أو عقد مصلحة دنيوية تنقطع، أو شهوة نفس تفور ثم تندثر، ولكنه جعلها علاقة ربانية ينشئها تعالى ويشهد عليها ويأتمن الزوجين عليها ويسألهما ويحاسبهما يوم القيامة بها، وأبى إلا أن يصفها بالميثاق الغليظ فقال: {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} النساء 21، وأوصى برعايتها وتقوى الله فيها فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} النساء 1.
ومن العجيب أن هذا الوصف"الميثاق الغليظ"لم يطلق في القرآن إلا على معنيين:
أولهما ميثاق الله عز وجل مع النبيئين وأقوامهم على الإيمان والإسلام بقوله تعال: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} الأحزاب 7، وقوله جل جلاله: