ولئن اختلف الفقهاء في أمر هذا الصنف من الوصايا، بعد نزول آية المواريث وهي قوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} النساء 7، وبعد تقدير أنصبة للوالدين تؤخذ حتما بدون وصية أو منة، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم يشرح ذلك: (إن الله قد أعطى كلّ ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) ، وقوله: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) ، فذهب البعض إلى أن آية المواريث ناسخة للوصية إلى الوالدين والأقربين لأنها حددت لهم أنصبة مفروضة، وقال آخرون: إنها رافعة لبعض أحكامها فقط، أي منسوخة فيمن يرث ثابتة فيمن لا يرث، فإن الجمع بين الآيتين ممكن وهو الأولى، من ورَّثَتْهُ آيات الميراث فلا وصية له، ومن لم يرث بقي نص الوصية يشمله، ومن الأقربين من لم تفرض له آية المواريث نصيبا، ومن الوالدين من قد يكون غير مسلم فيمنعه الكفر من الميراث، وهؤلاء لهم الحق في الوصية تأليفا لقلوبهم وإحسانا وتعطفا، على ألا يتجاوز ذلك ثلث المال الموروث، لقوله صلى الله عليه وسلم في تحديد قدرها: (الثُّلثُ، والثُّلثُ كثير) .
والصنف الثاني من أبواب البر في هذه الآيات المباركة هو قوله تعالى تحذيرا من تزوير الوصايا وترغيبا في أدائها على وجهها الصحيح: {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} ، ولا شك أن تنفيذ الوصية تعد من الأعمال التي لها أجرها، وهي إلى ذلك وفاء بحق الموصي على الأحياء بعده، وأداء للشهادة التي يحرم كتمانها، وقيام بعبادة مفروضة بنص الكتاب، وعلى من تنكر لها أو بدلها أو غير فيها إثمه لا يخفى على الله منه شيء {إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .
وحيث إن البر في كل أحواله فعل وترك، فعل للخير مطلقا وترك للشر مطلقا، وقد أمر تعالى شهود الوصية بعدم تزويرها أو تبديلها أو كتمانها، فقد عطف على ذلك فأمر بصنف ثالث من البر، أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، وإصلاحا بين الورثة وأقارب الموصي وقال: {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ، والجنف هو الحيف والميل والجور، من فعل"جَنِف يجنَف"، والإثم المعصية، وهو إشارة واضحة إلى تحريم الظلم في الوصايا يشرحها ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال] [1] [: (إن الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ وَالمَرْأَةَ بِطَاعَةِ الله سِتِّينَ سَنَةً ثُم يَحْضُرُهُم المَوْتُ فَيُضَارَّانِ في الوَصِيَّةِ فَيَجِبُ لَهُمَا النَّارُ) ، ثم قرأ أبو هريرة: {مِنْ بَعْدِ وَصِيةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَار وَصِية مِنَ الله} إلى قوله تعالى: {ذلكَ الفَوْزُ العَظِيمُ} النساء 12/ 13. أما الإصلاح المقصود في الآية فهو الدخول بين الطرفين بالمراضاة، والمعنى أن من وجد في الوصية إضرارا ببعض أقارب الموصي بأن حرم أحدا أو قدم عليه من هو أبعد منه، أو أوصى إلى غني دون فقير فذكره بأحكام الوصية وآدابها
(1) - رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه، قال أبوعيسى هذا حديث حسن صحيح غريب