الكتب وإرسال الرسل، ويرد على أباطيل أقوالهم وحججهم، ليتضح للعقلاء منهم ومن غيرهم أن ما حاق بهم من لعنة ووعيد بالخلود في النار عدل صرف لا ظلم فيه.
ولمَاَّ كانوا يَدَّعون أنهم متمسكون بكتابهم عاملون به وهو حسبهم، فقد أكذبهم القرآن الكريم وأخذ يبين بعضا آخر من جناياتهم وما جرى به سابق عاداتهم، وقد أمروا بأشياء ونهوا عن أشياء، فخالفوا أمر الله ونهيه، موضحا أن التوراة التي يزعمون العمل بها لم تأمرهم بعصيان الرسل وقتل الأنبياء، وقال معقبا على هذه الدعوى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} ، وهو التوراة فيه هدى ونور كما قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُور} المائدة 44، وكان عليهم أن يتدارسوه ويعملوا به، لأنه نعمة لهم فيه أحكامهم وشرائعهم، ومعالم طريق هدايتهم، ثم لم يَدَعْهُم عز وجل هَمَلًا بعد موسى، بل قَفَّى من بعده بالرسل متابعة وتجديدا لأمر دينهم، وتأكيدا للميثاق الذي في أعناقهم، فقال: {وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} قفينا أي أَتْبَعْنا، من قفوت الأثر إذا اتبعته، وقفوت الرجل إذا سرت في أثره، والأصل أن يجيء الإنسان تابعًا لِقَفَا الذي اتَّبعه، ثم تُوُسِّعَ في استعمال اللفظ حتى صار لمطلق الاتِّباع وإن بعُدَ زمان المتبوع من زمان التابع، والمعنى أنه تعالى أردف لهم من بعد موسى على سبيل التواتر والتتابع برسل مرشدين وهادين ومعلمين، منهم يوشع وداود، وسليمان، وإلياس، ويونس، وزكريا، ويحيى، وغيرهم. ثم جاءكم عيسى بالمعجزات الباهرة والآيات الواضحة التي لا مِرْيَةَ فيها لذي عقل، دلالة على صدقه وصحة نبوته، كالإنجيل وإبراء الأمراض المستعصية وإحياء الموتى، والإخبار ببعض المغيبات، وخلقه من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طائرا بإذن الله {وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ} ، مؤيدا من الله {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} ، والتأييد التقوية والنصر، بإظهار حجته ومعجزاته، ودفع أذى بني إسرائيل عنه إذ أرادوا قتله، والقدس لغة هو الطهر، ومنه قيل للجنة"حظيرة القدس"كما ورد في مسند أحمد من قوله صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل في تحريم الخمر: ( .... وَلَا يَدَعُهَا عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي مِنْ مَخَافَتِي إِلَّا سَقَيْتُهَا إِيَّاهُ مِنْ حَظِيرَةِ الْقُدُسِ) ، والتقديس اصطلاحا هو تنزيه الله تعالى، ومنه ما ورد في القرآن الكريم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} البقرة 30.
ولئن ذهب بعض المفسرين إلى القول بأن روح القدس في هذه الآية تعني الإنجيل، وهو روح من أمر الله مثل القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} الشورى 52. فإن أرجح الأقوال أنه جبريل عليه السلام لقوله تعالى قبل نزول الإنجيل: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا} المائدة 110، وجبريل عليه السلام طاهر وينزل بالقدس من الله قرآنا وحكمة يطهر بهما النفوس والأفئدة، كما في قوله تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} النحل 102، وقوله: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} الشعراء 193/ 194، وفي حديث مرسل عن شهر بن حوشب أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن