فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 523

إن انتظاركم إسلام هؤلاء وأمثالهم ينبغي أن يثير عجبكم واستغرابكم أنتم أنفسكم إذا ما تذكرتم ما فعلوه بكتابهم"التوراة"، وقد كانوا يحرفونه عمدا وبسبق إصرار بعد أن استوعبوه وفهموه وعقلوه {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . فليَهُنْ عليكم وعلى نبيكم الكريم ما تجدونه من عنادهم وإعراضهم وكيدهم وتحريفهم، لقد تجرؤوا على تحريف ما نزل عليهم بخاصة، فكيف لا يتجرؤون على ما سوى ذلك؟!، وإذا كانت هذه أفعالهم فيما بينهم ومعاملاتهم مع نبيهم الذي أعزهم الله به وأنقذهم من الرق بسببه، فمن باب أولى ما يُعَامِل بها أخلافُهم الرسالةَ الجديدةَ، وإن قومًا توارثوا هذه الصفات لا يُطْمَعُ في إيمانهم، وما السابقون منهم إلا آباء وأجدادا وإخوانا وبني عمومة للاحقين، والغالب أن يكون خُلُقُهم واحدًا وطباعُهم متقاربة، كما قال نوح عليه السلام: {وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} نوح 27.

لقد كان اليهود في مواجهة البعثة النبوية ثلاثة أفراق:

فريق يحرف الكلام بعد أن يسمعه ويعقله ويفهمه ويعرف أنه الحق من الله، وهم علماء بني إسرائيل وأحبارهم الذين أشارت إليهم هذه الآية الكريمة.

والفريق الثاني هو فريق المنافقين من اليهود الذين أعلنوا الإسلام واحتفظوا بالكفر، وهؤلاء كان هدفهم تخريب الدعوة الإسلامية من داخلها، ببث الشكوك والتفرقة والنزاع وتسقط أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وتبليغها إلى قومهم، وكانوا إذا لقوا المؤمنين قالوا لهم: آمنا بالذي آمنتم به ونشهد أن صاحبكم صادق وأن قوله حق ونجده بنعته وصفته في كتابنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قال الرؤساء لهم: أتحدثونهم بما علمتم في التوراة {بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} من نعته وصفته ليحاجوكم به عند ربكم؟، ولا حجة أقوى من اعترافكم لهم بشهادة التوراة على نبوة صاحبهم، قال تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} .

إن خشيتهم من محاججة المسلمين لهم يوم القيامة بما فتح الله عليهم في التوراة من صفات النبي صلى الله عليه وسلم، تشي بما في تصورهم الإيماني عن الله واليوم الآخر من غبش وفساد، لأن هذه الصفات المذكورة في التوراة نزلت منه تعالى، هو عالم بها وبما في نفوس الخلق أجمعين، {أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} ، وما قولهم ذاك إلا انعكاسا لما جبلوا عليه من ميل للتحايل، وعزم على المراوغة حتى بين يدي علام الغيوب يوم الدين.

أما عن محاولات هذا الفريق تخريب وحدة المسلمين وتمزيق صفهم، فأكثر من أن تحصى في هذه المجال، ومنها ما رواه ابن إسحاق قال: (مَرّ شَأْسُ بْنُ قَيْسٍ، وَكَانَ شَيْخًا قَدْ عَسَا، عَظِيمَ الْكُفْرِ شَدِيدَ الضّغْنِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ شَدِيدَ الْحَسَدِ لَهُمْ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، فِي مَجْلِسٍ قَدْ جَمَعَهُمْ يَتَحَدّثُونَ فِيهِ، فَغَاظَهُ مَا رَأَى مِنْ أُلْفَتِهِمْ وَجَمَاعَتِهِمْ وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ الّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْعَدَاوَةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت