فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 523

أما التفضيل الذي اختص به الله تعالى بني إسرائيل بقوله: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} ، فنعمة خاصة ميزهم بها على غيرهم من معاصري رسالتهم، وعالمي زمانهم، لا على مطلق العالمين في كل زمان، والفضل والفضيلة لغة ضد النقص والنقيصة، أي الزيادة فوق العدل والاقتصاد، وهي الدرجة الرفيعة التي ميزهم الله بها على أهل زمانهم، ورقاهم إليها، إذ جعلهم أمة الرسالة والعقيدة، فكان التفضيل قرينا بمدة استخلافهم واختيارهم، وعلى قدر طاعتهم وامتثال أمر ربهم، ولذلك عندما عتوا وعصوا وجحدوا باؤوا بلعنة الله وغضبه، وقضى عليهم بالذلة والمسكنة والتشريد، وجعل منهم القردة والخنازير وقال عنهم: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} المائدة 60.

لقد ذكر الله تعالى في هذه الآيات الكريمة بني إسرائيل المعاصرين للبعثة النبوية بما كان من فضل لآبائهم الأولين كما يدل عليه السياق، تأليفا لقلوبهم واستدراجا لعقلائهم إلى انتهاز فرصة الدعوة المحمدية للعودة إلى ركب الإيمان، وموكب التفضيل المتجدد بقيادة النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، ثم عقب على هذا الاستدراج اللطيف المتحنن إلى الإيمان والطاعة، بتحذيرهم من عاقبة النكوص والعصيان والجحود والكفران فقال: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} ، وهم بهذا الخطاب بين طاعتين، طاعة لسوابق النعم في الحياة الدنيا، وطاعة للواحق العقوبة والنقم في يوم عذاب عظيم {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} إبراهيم 48/ 51، في يوم {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} ، يوم عدل بدون ظلم وحق بدون باطل، وتناصف بالقسطاس، لا تزر فيه وازرة وزر أخرى، ولا يغني فيه والد عن ولده أو مولود له عن والده، ولا ينوب فيه عن نفس مثقلة بالأوزار غيرها، إذ كل فرد مشغول بحاله ومآله، وسوابقه وأفعاله، لأن المسؤولية فردية والحساب شخصي، والعدل الإلهي مطلق {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} الانفطار 19، {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} غافر 17.

{وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} والشفاعة هي السعي والوساطة في حصول نفع أو دفع ضر، أي أن يستعين المرء بغيره في تحصيل ما يطلب، من الشفع ضد الوتر، لأن صاحب الطلب يكون وحيدا، أي وترا، فيضم إليه شفيعا فيصير شفعا، والنفس الكافرة في هذا اليوم لا يقبل منها شفيع ولا شفاعة {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} المدثر 48، وكما قال أهل النار: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} الشعراء 100/ 101، وفي هذه الآية إشارة إلى ما يعتقده اليهود والنصارى من انتفاع بنسبهم إلى الأنبياء واحتماء بهم من عقاب الله، كما ذكر القرآن ذلك بقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} المائدة 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت