ولما نهاه عن الفعل القبيح والقول القبيح أمره بالفعل الحسن والقول الحسن فقال: (وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) أي لينا طيبا بأدب وتوقير. وقوله: (اخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) أي تواضع لهما (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا) أي في كبرهما وعند وفاتهما (كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) .
وقد ورد في بر الوالدين أحاديث كثيرة، منها:
الحديث المروي من طرق عن أنس وغيره أن رسول الله صلي الله عليه وسلم لما صعد المنبر قال: (آمين، آمين، آمين. فقالوا: يا رسول الله على ما أمنت؟ قال: أتاني جبريل فقال: يا محمد، رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك قل: آمين، فقلت: آمين. ثم قال: رغم أنف امرئ دخل عليه شهر رمضان ثم خرج ولم يغفر له، قل: آمين، فقلت: آمين. ثم قال: رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، قل: آمين، فقلت آمين) . وروى الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم: (رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف رجل أدرك والديه، أحدهما أو كلاهما، لم يدخل الجنة) . قال العماد ابن كثير: صحيح من هذا الوجه عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر; قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين. وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت) رواه البخاري ومسلم. وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (رضى الرب في رضى الوالدين، وسخطه في سخط الوالدين) رواه الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم. عن أسيد الساعدي رضي الله عنه قال: (بينا نحن جلوس عند النبي صلي الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال: نعم، الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما) رواه أبو داود وابن ماجه. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا.
وقوله: (اعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) ?قال العماد ابن كثير رحمه الله أمر به وترك ما نهى عنه، كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: والأمر والنهي الذي هو دينه وجزاؤه يوم المعاد الثاني وتقدم أن أصله وأساسه توحيد العبادة فلا تغفل عما تقدم.
في هذه الآية: يأمر الله تعالى عباده بعبادته وحده لا شريك له فإنه الخالق الرازق المتفضل على خلقه في جميع الحالات، وهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا من مخلوقاته. انتهى.