فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 328

يفهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم مراده من غير غلو ولا تقصير؛ فلا يحمل كلامه ما لا يحتمله، ولا يقصر به عن مراده وما قصد من الهدى والبيان؛ فكم حصل من إهمال ذلك والعدول عنه من الضلال والعدول عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله.

إلى أن قال: فالحاصل أن الدور ثلاث: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وقد جعل الله لكل دار أحكاما تخصها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام الدنيا على الأبدان والأرواح تبع لها، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبع لها؛ فإذا جاء يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم؛ صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد جميعا. فإذا تأملت هذا المعنى حق التأمل؛ ظهر لك أن كون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار مطابق للعقل، وأنه حق لا مرية فيه، وبذلك يتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم.

ويجب أن يعلم أن النار التي في القبر والنعيم ليس من جنس نار الدنيا ولا نعيمها، وإن كان الله تعالى يحمي عليه التراب والحجارة التي فوقه والتي تحته، حتى يكون أعظم حرا من جمر الدنيا، ولو مسها أهل الدنيا، لم يحسوا بها، بل أعجب من هذا أن الرجلين يدفن أحدهما إلى جنب صاحبه، وهذا في حفرة من النار، وهذا في روضة من رياض الجنة، لا يصل من هذا إلى جاره شيء من حر ناره، ولا من هذا إلى جاره شيء من نعيمه، وقدرة الله أوسع من ذلك وأعجب، ولكن النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تحط به علما.

وقد أرانا الله في هذه الدار من عجائب قدرته ما هو أبلغ من هذا بكثير، وإذا شاء الله أن يطلع على ذلك بعض عباده؛ أطلعه، وغيبه عن غيره، ولو أطلع الله على ذلك العباد كلهم؛ لزالت حكمة التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس؛ كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: (لولا أن لا تدافنوا؛ لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع) .

أسباب عذاب القبر:

قال العلامة السفاريني: الأسباب التي يعذب بها أصحاب القبور على قسمين: مجمل ومفصل:

أما المجمل؛ فإنهم يعذبون على جهلهم بالله وعدم إطاعتهم لأمره وارتكابهم معاصيه؛ فلا يعذب الله روحا عرفته وأحبته وامتثلت أمره واجتنبت نهيه، ولا بدنا كانت فيه أبدا؛ فإن عذاب القبر وعذاب الآخرة أثر غضب الله وسخطه على عبده؛ فمن أغضب الله وأسخطه في هذه الدار بارتكاب مناهيه ولم يتب ومات على ذلك؛ كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله وسخطه عليه؛ فمستقل ومستكثر، ومصدق ومكذب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت