فهرس الكتاب

الصفحة 282 من 328

وكيف يستنكر من يعرف الله سبحانه ويقر بقدرته أن يحدث حوادث يصرف عنها أبصار بعض خلقه حكمة منه ورحمة بهم لأنهم لا يطيقون رؤيتها وسماعها؛ والعبد أضعف بصرا وسمعا أن يثبت لمشاهدة عذاب القبر؟!

وسر المسألة أن هذه السعة والضيق والإضاءة والخضرة والنار ليس من جنس المعهود في هذا العالم، والله سبحانه إنما أشهد بني آدم في هذه الدار ما كان فيها ومنها، فأما ما كان من أمر الآخرة؛ فقد أسبل عليه الغطاء؛ ليكون الإقرار به والإيمان به سببا لسعادتهم؛ فإذا كشف عنهم الغطاء؛ صار عيانا مشاهدا؛ فلو كان الميت بين الناس موضوعا؛ لم يمتنع أن يأتيه الملكان ويسألاه من غير أن يشعر الحاضرون بذلك، ويجيبهما من غير أن يسمعوا كلامه، ويضربانه من غير أن يشاهد الحاضرون ضربه. وهذا الواحد منا ينام إلى جنب صاحبه المستيقظ، فيعذب في النوم ويضرب ويتألم وليس عند المستيقظ خبر من ذلك ألبتة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فأما أحاديث عذاب القبر ومسألة منكر ونكير؛ فكثيرة متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ مثل ما في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين، فقال إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير أما أحدهما؛ فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر؛ فكان لا يستتر من بوله ثم دعا بجريدة رطبة، فشقها نصفين، ثم غرز في كل قبر واحدة، فقالوا يا رسول الله! لم فعلت هذا؟ قال لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) .

وفي صحيح مسلم وسائر السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير؛ فليقل أعوذ بالله من أربع من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال)

وساق الشيخ أحاديث كثيرة في هذا الباب إلى أن قال: وقد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلا وسؤال الملكين؛ فيجب اعتقاد ذلك والإيمان به، ولا نتكلم عن كيفيته؛ إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته؛ لكونه لا عهد له في هذه الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكنه قد يأتي بما تحار فيه العقول؛ فإن عود الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا.

إلى أن قال: واعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ؛ فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه؛ قبر أو لم يقبر، أكلته السباع أو احترق حتى صار رمادا ونسف في الهواء أو صلب أو غرق في البحر؛ وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور، وما ورد من إجلاسه واختلاف أضلاعه ونحو ذلك؛ فيجب أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت