وأما ما جاء في السنة من الأدلة على نعيم القبر وعذابه فكثير جدا من ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم قال: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة) . وفي صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم قال: (لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر) . والأدلة على هذا كثيرة من الكتاب والسنة وقد ذكرت ما يستدل به في إثبات عذاب القبر ونعيمه، والله أعلم.
المطلب الثاني: وقوع نعيم القبر وعذابه على الروح والجسد معا:
نعيم القبر وعذابه يكون للروح والبدن جميعا، فتنعم الروح أو تعذب متصلة بالبدن فيكون النعيم والعذاب عليهما جميعا كما أنه قد تنعم الروح أو تعذب أحيانا منفصلة عن البدن، فيكون النعيم أو العذاب للروح منفردا عن البدن. وقد دلت على هذا النصوص وعليه اتفق أهل السنة والجماعة، خلافا لمن زعم أن عذاب القبر ونعيمه يكون للروح فقط على كل حال ولا يتعلق بالبدن.
فمن الأدلة على ذلك حديث أنس بن مالك الذي أخرجه البخاري أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم قال: (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل(لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم) فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقال له انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة فيراهما جميعا. وأما المنافق والكافر فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين).
وفي حديث البراء بن عازب الطويل الذي أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وغيرهم مرفوعا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم قال بعد أن ذكر خروج الروح وصعود روح المؤمن إلى السماء: (فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك) الحديث، وقد صحح هذا الحديث الحاكم وغيره.
فدل الحديثان على وقوع النعيم أو العذاب في القبر على الروح والجسد جميعا ففي قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم: (إن العبد إذا وضع في القبر) دلالة ظاهرة على هذا إذ لفظ (العبد) مسمى للروح والجسد جميعا، وكذلك تصريحه بإعادة الروح إلى الجسد عند السؤال كما في حديث البراء بن عازب هذا مع ما جاء في الحديثين من الألفاظ التي هي من صفات الجسد كقوله: (يسمع قرع نعالهم) (فيقعدانه) ، (ويضرب بمطارق