6 -الإقرار له بما ثبت في حقه من المناقب الجليلة والخصائص السامية والدرجات العالية الرفيعة على ما تقدم بيان بعضها في أول هذا المبحث وغير ذلك مما دلت عليه النصوص. والتصديق بكل ذلك والثناء عليه به ونشره في الناس، وتعليمه للصغار وتنشئتهم على محبته وتعظيمه ومعرفة قدره الجليل عند ربه عز وجل.
7 -تجنب الغلو فيه والحذر من ذلك فإن في ذلك أعظم الأذية له صلى الله عليه وسلم. قال تعالى آمرًا نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخاطب الأمة بقوله: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف: 110) . وبقوله: (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) (الأنعام: 50) .
فأمر اللهّ نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقرر للأمة أنه مرسل من الله ليس له من مقام الربوبية شيء وليس هو بمَلَك إنما يتبع أمر ربه ووحيه. كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الغلو فيه والتجاوز في إطرائه ومدحه. ففي صحيح البخاري من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله) رواه البخاري. والإطراء: هو المدح بالباطل ومجاوزة الحد في المدح ذكره ابن الأثير. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فراجعه في بعض الكلام فقال: ما شاء الله وشئت! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أجعلتني لله ندًّا بل ما شاء الله وحده) رواه الامام أحمد. فحذر النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو فيه وإنزاله فوق منزلته، مما يختص به الرب عز وجل. وفي هذا تنبيه إلى غير ما ذكر من أنواع الغلو فإن الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم محرم بشتى صوره وأشكاله.
ومن صور الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم التي تصل إلى حدّ الشرك، التوجه له بالدعاء فيقول القائل: يا رسول الله افعل لي كذا وكذا. فإن هذا دعاء والدعاء عبادة لا يصح صرفها لغير الله. ومن صور الغلو فيه صلى الله عليه وسلم الذبح له أو النذر له أو الطواف بقبره أو استقبال قبره بصلاة أو عبادة فكل هذا محرم لأنه عبادة وقد نهى الله عن صرف شيء من أنواع العبادة لأحد من المخلوقين فقال عز وجل: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام: 162، 163) .