إنَّا إلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ) فَجَعَلَ الْإِيتَاءَ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) فَأَمَرَهُمْ بِإِرْضَاءِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَأَمَّا فِي الحسب فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقُولُوا (حَسْبُنَا اللَّهُ) لَا يَقُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَيَقُولُوا: (إنَّا إلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ) لَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إنَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ رَاغِبُونَ فَالرَّغْبَةُ إلَى اللَّهِ وَحْدَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) فَجَعَلَ الطَّاعَةَ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَجَعَلَ الْخَشْيَةَ وَالتَّقْوَى لِلَّهِ وَحْدَهُ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: (يَا غُلَامُ إنِّي مُعَلِّمُك كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْك احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَك تَعَرَّفْ إلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْك فِي الشِّدَّةِ إذَا سَأَلْت فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْت فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ فَلَوْ جَهِدَتْ الْخَلِيقَةُ عَلَى أَنْ يَضُرُّوك لَمْ يَضُرُّوك إلَّا بِشَيْءِ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْك فَإِنْ اسْتَطَعْت أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ بِالرِّضَا مَعَ الْيَقِينِ فَافْعَلْ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَإِنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا) وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ؛ وَلَكِنْ قَدْ يُرْوَى مُخْتَصَرًا. وَقَوْلُهُ (إذَا سَأَلْت فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْت فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ) هُوَ مِنْ أَصَحِّ مَا رُوِيَ عَنْهُ. وَفِي الْمُسْنَدِ لِأَحْمَدَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصَّدِيقَ كَانَ يَسْقُطُ السَّوْطُ مِنْ يَدِهِ فَلَا يَقُولُ لِأَحَدٍ نَاوِلْنِي إيَّاهُ وَيَقُولُ: إنَّ خَلِيلِي أَمَرَنِي أَنْ لَا أَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَايَعَ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَسَرَّ إلَيْهِمْ كَلِمَةً خَفِيَّةً: أَنْ لَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا. قَالَ عَوْفٌ: فَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ السَّوْطُ مِنْ يَدِهِ فَلَا يَقُولُ لِأَحَدٍ نَاوِلْنِي إيَّاهُ) . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَقَالَ: هُمْ الَّذِينَ لَا يسترقون وَلَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) فَمَدَحَ هَؤُلَاءِ بِأَنَّهُمْ لَا يسترقون أَيْ لَا يَطْلُبُونَ مِنْ أَحَدٍ أَنْ يَرْقِيَهُمْ. وَالرُّقْيَةُ مِنْ جِنْسِ الدُّعَاءِ فَلَا يَطْلُبُونَ مِنْ أَحَدٍ ذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ (وَلَا يَرْقُونَ) وَهُوَ غَلَطٌ فَإِنَّ رقياهم لِغَيْرِهِمْ وَلِأَنْفُسِهِمْ حَسَنَةٌ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْقِي نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ وَلَمْ يَكُنْ يَسْتَرْقِي فَإِنَّ رُقْيَتَهُ نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ مِنْ جِنْسِ الدُّعَاءِ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ وَهَذَا مَأْمُورٌ بِهِ فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ سَأَلُوا اللَّهَ وَدَعَوْهُ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ آدَمَ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَغَيْرِهِمْ.
وَمَا يُرْوَى أَنَّ الْخَلِيلَ لَمَّا أُلْقِيَ فِي الْمَنْجَنِيقِ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: سَلْ قَالَ (حَسْبِي مِنْ سُؤَالِي عِلْمُهُ بِحَالِي) لَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ مَعْرُوفٌ وَهُوَ بَاطِلٌ بَلْ الَّذِي ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: (حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَهَا إبْرَاهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ حِينَ: (قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ) وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ: هَلْ لَك مِنْ حَاجَةٍ؟ قَالَ (أَمَّا إلَيْك فَلَا) وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ. وَأَمَّا سُؤَالُ الْخَلِيلِ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهَذَا مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فَكَيْفَ يَقُولُ حَسْبِي مِنْ