فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 328

فَمَنْ رَأَى نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَقَالَ لَهُ (اُدْعُ لِي) لَمْ يُفْضِ ذَلِكَ إلَى الشِّرْكِ بِهِ بِخِلَافِ مَنْ دَعَاهُ فِي مَغِيبِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى الشِّرْكِ بِهِ كَمَا قَدْ وَقَعَ فَإِنَّ الْغَائِبَ وَالْمَيِّتَ لَا يَنْهَى مَنْ يُشْرِكُ بَلْ إذَا تَعَلَّقَتْ الْقُلُوبُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ أَفْضَى ذَلِكَ إلَى الشِّرْكِ بِهِ فَدَعَا وَقَصَدَ مَكَانَ قَبْرِهِ أَوْ تِمْثَالِهِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ كَمَا قَدْ وَقَعَ فِيهِ الْمُشْرِكُونَ وَمَنْ ضَاهَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمُبْتَدِعَةِ الْمُسْلِمِينَ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَدْعُوا لِلْمُؤْمِنِينَ وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) وَقَالَ تَعَالَى: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) . فَالْمَلَائِكَةُ يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ أَحَدٌ. وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ يَدْعُو وَيَشْفَعُ لِلْأَخْيَارِ مِنْ أُمَّتِهِ هُوَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ هُمْ يَفْعَلُونَ مَا أَذِنَ اللَّهُ لَهُمْ فِيهِ بِدُونِ سُؤَالِ أَحَدٍ. وَإِذَا لَمْ يُشْرَعْ دُعَاءُ الْمَلَائِكَةِ لَمْ يُشْرَعْ دُعَاءُ مَنْ مَاتَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَلَا أَنْ نَطْلُبَ مِنْهُمْ الدُّعَاءَ وَالشَّفَاعَةَ وَإِنْ كَانُوا يُدْعَوْنَ وَيَشْفَعُونَ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ هُمْ يَفْعَلُونَهُ وَإِنْ لَمْ يُطْلَبْ مِنْهُمْ وَمَا لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ لَا يَفْعَلُونَهُ وَلَوْ طُلِبَ مِنْهُمْ فَلَا فَائِدَةَ فِي الطَّلَبِ مِنْهُمْ. الثَّانِي: أَنَّ دُعَاءَهُمْ وَطَلَبَ الشَّفَاعَةِ مِنْهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ يُفْضِي إلَى الشِّرْكِ بِهِمْ فَفِيهِ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً لَكَانَتْ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ رَاجِحَةً فَكَيْفَ وَلَا مَصْلَحَةَ فِيهِ؛ بِخِلَافِ الطَّلَبِ مِنْهُمْ فِي حَيَاتِهِمْ وَحُضُورِهِمْ فَإِنَّهُ لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ؛ فَإِنَّهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْ الشِّرْكِ بِهِمْ. بَلْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَهُوَ أَنَّهُمْ يُثَابُونَ وَيُؤْجَرُونَ عَلَى مَا يَفْعَلُونَهُ حِينَئِذٍ مِنْ نَفْعِ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ فَإِنَّهُمْ فِي دَارِ الْعَمَلِ وَالتَّكْلِيفِ وَشَفَاعَتُهُمْ فِي الْآخِرَةِ فِيهَا إظْهَارُ كَرَامَةِ اللَّهِ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وَأَصْلُ سُؤَالِ الْخَلْقِ الْحَاجَاتِ الدُّنْيَوِيَّةَ الَّتِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِعْلُهَا لَيْسَ وَاجِبًا عَلَى السَّائِلِ وَلَا مُسْتَحَبًّا بَلْ الْمَأْمُورُ بِهِ سُؤَالُ اللَّهِ تَعَالَى وَالرَّغْبَةُ إلَيْهِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ. وَسُؤَالُ الْخَلْقِ فِي الْأَصْلِ مُحَرَّمٌ لَكِنَّهُ أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ وَتَرْكُهُ تَوَكُّلًا عَلَى اللَّهِ أَفْضَلُ قَالَ تَعَالَى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ) (وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) أَيْ ارْغَبْ إلَى اللَّهِ لَا إلَى غَيْرِهِ وَقَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت