فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 147

-تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ببلوغه الكمال، ونواله المنزلة العالية، وتشريف منه سبحانه لرسوله، فرفع ذكره، وجعل هذا الذكر متصلًا بين أهل السماء من الملائكة، وأهل الأرض من المؤمنين، اقتداءً بالملائكة، فكان من الله - تعالى - مغفرة ورحمة، ومن الملائكة دعاءٍ واستغفار، والمقصود من هذه الاَية: أن الله سبحانه وتعالى أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين, وأن الملائكة تصلي عليه, ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه, ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين: العلوي والسفلي جميعًا [31] .

وقد جاءت الأحاديث المتواترة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأمر بالصلاة عليه، وكيفية الصلاة عليه، ومواطن الصلاة عليه: في التشهد الأول والأخير، عند الآذان والإقامة، يوم الجمعة وليلتها، في الصباح والمساء، في المجالس وعند اجتماع القوم قبل تفرقهم، عند ذكر اسْمه صلى الله عليه وسلم، في كل وقت وحين أول النهار وآخره، عند الدعاء، عند دُخُول المسجد وعند الخروج منه، عند الصفا والمروة، بعد التكبيرة الثانية من صلاة الجنازة، عند الوُقُوف على قبره الشريف، عندَ القُنُوت، أثناء صلاة العيد، عند القيام من المجلس.

وعجيب أن يجهلَ المسلمون حكمةَ ذكر النبي العظيم خمسَ مرات في الأذان كل يوم، يُنادَى باسمه الشريف ملءَ الجو، ثم حكمةَ ذكره في كل صلاة من الفريضة والسنة والنافلة، يُهْمس باسمه الكريم ملء النفس! وهل الحكمة من ذلك إلا الفرضُ عليهم ألا ينقطعوا من نبيهم ولا يومًا واحدًا من التاريخ، ولا جزءًا واحدًا من اليوم؛ فيمتدُّ الزمن مهما امتدَّ والإسلام كأنه على أوَّله، وكأنه في يومه لا في دهرٍ بعيد، والمسلم كأنه مع نبيِّه بين يديه تبعثه روحُ الرسالة، ويسطع في نفسه إشراقُ النبوَّة أيها المسلم: لا تنقطعْ من نبيك العظيم، وعشْ فيه أبدًا، واجعله مثلك الأعلى، وحين تذكره في كل وقت فكن كأنك بين يديه، كن دائمًا كالمسلم الأول، كن دائمًا ابنَ المعجزة [32] .

من إعجاز اسم نبينا صلى الله عليه وسلم أن عصمه الله - تعالى - من أن يٌذم أو يُذكر بسوء؛ إذ أن ذكر"محمدٍ"بشينٍ أو عيبٍ لا يستقيم به البيان، بل يقبح في العربية، أو بأي لسان ما دام معنى الاسم معروفًا، وباعتبار أن معنى"محمد"هو الذي يُحمد ويُمدح ويُثنى عليه المرة بعد المرة، وبكل أحواله وصفاته وسجاياه.

فلا يحتمل معنى اسمه أن يتخلف عن الثناء والحمد في أي شيء من سجاياه وخُلُقه. وأما إن أُلحق لفظ مُعيب أو مُشين باسم"محمد"، فإن المعنى يتناقض بأدنى قدح، والبيان يقبح واللسان يتساقط والفصاحة تتهافت. فإن أدنى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت