لقد كان جبريل عليه السلام مُعلمًا للنبي صلى الله عليه وسلم بالممارسة العملية، ثم نقلها النبي لزوجه السيدة خديجة رضي الله عنها فكان تعلمها بالمشاهدة أولًا، ثم بالمحاكاة ثانيًا، والتعلم بالاقتداء لأبلغ في التأثير من الكلام النظري، بل قدَّم صلى الله عليه وسلم عدة طرق رائعة، أجمع عليها علماء معاصرون في مجالات تعديل السلوك الإنساني من مدارس واتجاهات حديثة متعددة يمكننا الاقتداء بها للتعامل مع الآخرين لتقويم وتعديل سلوكهم ومساعدتهم على التخلص من العادات السلبية الهدامة .. ولقد وجدتُ أن كل هذه الطرق والأساليب التي اتبعها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تتفق مع أساليب علمية تُتَّبع حاليًا في مراكز متطورة في هذا التخصص، ويمكننا تطبيقها عمليًا لعلاج مشكلاتنا السلوكية وتعديل عاداتنا السلبية [16] .
إن سلوكيات الرسول صلى الله عليه وسلم وتعاليمه وإرشاداته والنماذج العملية التي قدمها لتغيير من حوله لا يمكن أن تصدر من إنسان عادي فما بالك إذا كان أمي لا يقرأ ولا يكتب ونشأ في بيئة فقيرة في كل شيء، لا يعرف أكثر الناس فيها أي شكل من الثقافة أو المهارات الاجتماعية أو حتى آداب الحوار والمخاطبة وقواعد العلاقات الإنسانية السمحاء. وكثيرًا ما يفشل الشخص مهما بلغ تعليمه وثقافته في التخلص من عادة واحدة مثل التدخين أو سرعة الانفعال والغضب أو تغيير مظهره أو مواعيده ونظامه اليومي. لذلك يعتبر تغيير هذا العدد الكبير من العادات والسلوكيات"معجزة"بكل المعايير. لقد تم تعديل أغلب سلوكيات وعادات مئات الآلاف من البشر في وقت واحد وخلال عدد محدود من السنوات! إننا لا شك أمام"معجزة"بكل المقاييس لأنها تمت في سنوات قليلة في عمر المجتمعات البشرية وعلى مستوى جماعي لم ولن يحدث في تاريخ البشرية [17] .
خرج الأمي المتحنث القابع في أعماق غارٍ يَطِلُ على بطائحَ مكةَ، برسالة ملأت شعاب الأرض حوله وحول كل المدارات حتى بلغت القارات والقلوب وعلَّم البشرية وما زال يُعلِّمها، ليصبح في كل صبيحة حقيقة تؤكدها الأجيال أن أميته صلى الله عليه وسلم معجزة متجددة تبهر العقول وستبهرها في قابل الأيام.