بينما يوضح الشيخ سليم البشري، شيخ الأزهر الأسبق، معنى البيتين معًا، فيقول: (وإذا أُعطيت معجزة فسواءٌ إحياؤك القلوب أي انقاذك لها من ظلمات الجهل والشرك واحياؤك الموتى، والأولى أعظم وأنفع) [10] .
لم تكن المعجزة كامنة فقط في علم الرسول الأمي صلى الله عليه وسلم عند من رصدها من أهل العلم شرقًا وغربًا، إنها فقط الشطر الأول منها، ويتبقى الشطر الثاني في كيفية تحويل العرب بطبائعهم وموروثاتهم التي جُبِلوا عليها لقرون خلت إلى أمة ذات حضارة ومهارة وقيادة وهي معجزة ولاشك، وأما الشطر الأخير من المعجزة فيتمثل في الأساليب الناجعة والمبتكرة التي لجأ إليها الرسول صلى الله عليه وسلم واستعملها وأثبتت نجاحها، وأثبت العلماء الأثبات من أهل التخصص في علم تعديل السلوك والتربية مسايرتها، بل وأسبقيتها وريادتها فيما توصل إليه العلم الحديث مؤخرًا.
أما معجزة رسولنا صلى الله عليه وسلم في بعث العرب بعثًا جديدًا فشهدت به الكاتبة الإنكليزية"الليدى ايفلين كوبولد" [11] ، حيث تقول: (كان العرب قبل محمد صلى الله عليه وسلم أمة لا شأن لها ولا أهمية لقبائلها ولا لجماعتها، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم بعث هذه الأمة بعثًا جديدًا يصح أن يكون أقرب إلى المعجزات فغلبت العالم وحكمت فيه آجالًا وآجالًا ... لقد استطاع النبي صلى الله عليه وسلم القيام بالمعجزات والعجائب، لَمّا تمكن من حمل هذه الأمة العربية الشديدة العنيدة على نبذ الأصنام وقبول الوحدانية الإلهية .. لقد وفّق إلى خلق العرب خلقًا جديدًا ونقلهم من الظلمات إلى النور) .
ويؤكد الدكتور محمد شيخاني شهادة كوبولد، فيقول [12] : (والحقيقة تقال بأن أكبر معجزة تاريخية لرسول الله صلى الله عليه وسلم هي التي بقيت إلى اليوم معضلة في تاريخ العالم، وهى تأليف العرب على تعاديهم وتنافرهم، والزحف بهم على قلتهم وضعف وسائلهم، وتوثبهم على فقرهم وغنى سواهم) .
وينضم إلى الركب الدكتور محمود علي مكي، فيقول [13] : (وإنه لتبدو من المعجزات قدرة الرسول صلى الله عليه وسلم على تحويل هذا المجتمع البدوي الذي كانت تمزقه العصبيات القبلية إلى"أمَّة"موحدة واعية بمكانها من التاريخ وبرسالتها التي قُدِّر لها أن تغير مسار البشرية، كل ذلك في عشر سنوات فحسب، وهي حقبة لا تكاد تعد في تاريخ الأمم) .