اطمئنان القلب. ويقف علم الحديث وحده أنموذجًا على مدى الالتزام بالمنهجية الصارمة، والأمانة العلمية؛ فعلماء الحديث يشترطون صدق الراوي، وصحة المروي عنه، كما أن مصطلحاتهم الذين درجوا عليها لا تبعد من حيث المضمون عن المصطلحات الحديثة، علاوة على التزام علماء المسلمين من القدامي والمحدثين بالنهج السلوكي والأخلاقي، والتحلي الشديد بأداب وقيود وأخلاق الأمانة العلمية في النقل والتحمل والأداء بما لايُعرف في سواهم من الأمم السابقة عليهم أو اللاحقة بشهادة أساطين الفكر الغربي وغيرهم، وما هذا إلا أثر من آثار التحلي بصفتي الصدق والأمانة وما يحملانه وحدهما من مناهج علمية وتربوية وسلوكية وأخلاقية وإدارية وحياتية وبيئية وفلسفية وعقلية، تورث صاحبها الحيدة والاتزان والإنصاف، والبعد عن الهوى والغرض.
قال ابن هبيرة: (وبالجملة فإن من مقتضى آداب طالب العلم البعد عن كل ما ينافي الأمانة من الخيانة العلمية والغش وغير ذلك من المعاني المنافية للأمانة) . ولا تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالمًا بما يبلغ، وصادقًا فيه، ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مَرْضِي السَّرِيرة، عَدلًا في أقواله وأفعاله، كما قال الإمام ابن القيم.
فأعظم بغباوة من ينظر في أحواله صلى الله عليه وسلم، ثم في أقواله، ثم في أفعاله، ثم في أخلاقه، ثم في معجزاته، ثم في استمرار شرعه إلى الآن، ثم في انتشاره في أقطار العالم، ثم في إذعان ملوك الأرض له في عصره وبعد عصره مع ضعفه ويتمه، ثم يتمارى بعد ذلك في صدقه!) [33] .