فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 147

تقف السيرة العطرة للنبي صلى الله عليه وسلم - عند الإمام ابن حزم [9] - وحدها دليلًا على صدق دعوته وثبوت نبوته، بما لا يحتاج معه لمعجزة، فيقول: (فإن سيرة محمد صلى الله عليه وسلم لِمَن تدبرَهَا تقتضي تصديقَه ضرورةً، وتشهد له بأنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حقا، فلو لم تكن له معجزة سوى سيرته صلى الله عليه وسلم لكفى) .

نعم .. فقد كانت شمائله وأحواله صلى الله عليه وسلم شواهد قاطعة بصدقه حتى أن العربي القُح كان يراه فيقول: (والله ما هذا وجه كذاب، فكان يشهد له بالصدق بمجرد شمائله) ، كما قال الإمام الغزالي [10] .

يُجمل أبو الحسن الندوي [11] ما جاءت به روايات السيرة النبوية الصحيحة من شمائل محمد بن عبد الله قبل مبعثه رسولًا صلى الله عليه وسلم، فيقول: (وشبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم محفوظًا من الله تعالى، بعيدًا عن أقذار الجاهلية وعاداتها، فكان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خُلُقًا، وأشدهم حياءً، وأصدقهم حديثًا، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم عن الفحش والبذاءة، حتى ما أسموه في قومه إلا"الأمين"، يعصمه الله تعالى من أن يتورط فيما لا يليق بشأنه من عادات الجاهلية، وما لا يرون به بأسًا ولا يرفعون له رأسًا. وكان واصلًا للرحم، حاملًا لما يُثقِلُ كواهل الناس، مُكرمًا للضيوف، عونًا على البرِّ والتقوى، وكان يأكل من نتيجة عمله، ويقنع بالقوت) .

لقد احتلت صفتي"الصدق والأمانة"- كصفتين لصيقتين - للرسول صلى الله عليه وسلم في الدراسات الاستشراقية مكانةً واعتبارًا، ذلك حين اطلع المستشرقون على سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم فأخذوهما معيارًا للقياس والتتبع في أموره كلها سواء بين أتباعه في السلم وآناء الحرب، وفي بيته، ومع نفسه، وبين المسلمين وبين أهله، وبين المهاجرين أهل موطنه ومربَّاه الأول، وبين الأنصار أهل مهجره وموطن إقامته، فلم يجدوا فيها عوجًا ولا انحيازًا منه في أدق الأمور وأعظمها، فسطَّروها معجزة ناصعة وهم الذين لا تخرج منهم الإشادة إلا بالكاد، ويعرفون ما يحمله مصطلح"المعجزة"من دلالات، فتتالت أقوالهم راصدة شاهدة صادقة مصدقة بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم.

بدأ المستشرقون بدراسة أحوال البيئة التي نشأ فيها الرسول صلى الله عليه وسلم على كافة الأصعدة سواء السياسية والأخلاقية والتجارية والاقتصادية والثقافية، وقاسوا أخلاقه صلى الله عليه وسلم إلى أخلاق بني جلدته وبلدته، وكان نتاج هذا أن قال"دون بايرون" [12] : (لا يبعد أن يكون محمد يحس بنفسه أنه في طينته أرق من معاصريه، وأنه يفوقهم جميعًا ذكاء وعبقرية، وأن الله اختاره لأمر عظيم وقد اتفق المؤرخون على أن محمد بن عبد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت