كذلك في الإسلام، الإسلام الذي نشأ في بلاد صحراوية، تجوب فيها شتى القبائل الرحَّالة التي لم تكن من قبْل رفيعة المكانة والمنزلة في التاريخ، فلسرعان ما شرع يتدفَّق ويَنتشِر وتتَّسع رقعته في الأرض مُجتازًا أفدح الخطوب، وأصعب العقبات، دون أن يكون من الأمم الأخرى عَونٌ يُذكر، ولا أزر مَشدود، وعلى شدة هذه المكاره فقد نُصر الإسلام نصرًا مُبينًا عجيبًا؛ إذ لم يكد يَمضي على ظهوره أكثر من قرنين، حتى باتَت راية الإسلام خفاقة من"البرانس"حتى"هملايا"، ومن صحارى أواسط آسيا حتى صحارى أواسط إفريقية"هذا ما كان من أمر انتشار الإسلام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تلاه)."
ثم يَجيء انتشار الإسلام في وقتنا الحاضر ليُؤكِّد مُعجزةً مِن مُعجزات الرسول صلى الله عليه وسلم، ألا وهي الإخبار بالمغيبات، وهي مِن المُعجِزات التي أجراها الله تعالى على يدَيه تأييدًا لنبوته وبيانًا لها؛ فلا يظنها الظان أنها تنبؤات بشرية تُصيب مرة وتُخطئُ مرات، ولكنها مبشرات يقينية، صدرت من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى؛ كما قال فيه رب العزة في كتابه الكريم: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [8] ، وتأتي تأييدًا وتصديقًا لوعد الله بأن المستقبَل لهذا الدين؛ لقوله جل وعلا في محكم تنزيله: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [9] ، وقوله عز من قائل: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [10] .
فما ثبَت الخبر عن الله ورسوله بأسانيد صحيحة فيجب الإيمان به، وكانت تلك الأخبار أعلامًا ومُعجِزات تدلُّ على صدق الرسول، وثبوت رسالته صلى الله عليه وسلم، وهذه نبوءات تحدَّث بها السيد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم تجعلُك على مثل الشمس مُبصرةً، وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يَنطِق عن الهوى [11] .
فليس كلامنا إلا حالة التصديق الكامل من الواقع للنبوءات الثابتة، فليس كلامنا إذًا في التوقُّعات، وليس كلامنا في التكهُّنات الكهنية التي يُكذِّب الواقع عشرات مثلها، وليس كلامنا في النبوءات المدَّعاة التي يُدَّعى أنها قيلت قبل وقوع مضمونها، والحقيقة أنها قيلَت بعده، وليس كلامنا في أمر بُيِّت فتنبَّأ بوقوعها بعض من بيَّت، وليس كلامنا في إنسان تحقَّقت بعض نُبوءاته، وكذَّب الواقع بعضها، وليس كلامنا عن رؤيا منام أو يُشبِه رؤيا منام، وليس كلامنا في نبوءة صدرت عن تابع نبي صديق، فكانت كرامة له باتِّباعه لهذا النبيِّ.