وأخذ الأصول عن السيف الأمدي، ودرس وأفتى وأقرأ العلم زمانًا طويلًا وأنتفع به النَّاس وانتهت إليه رياسة المذهب في عصره، بل رياسة العلم في زمانه، وَكَانَ معظمًا عند الخاص والعامً عظيم الهيبة لدى الملوك وغيرهم، كثير الفضائل والمحاسن متين الديانة والورع قَالَ الذهبي في معجم شيوخه في ترجمة شمس الدين: هو شَيْخ الحنابلة بل شَيْخ الْإِسْلَام وفقيه الأنام وقدوة العباد وفريد وقته من اجتمعت الألسن عَلَى مدحه والثناء عليه حدّث نحوًا من ستين سنة، وكتب عنه أبو الفتح بن الحاجب.
قالوا فيه: قَالَ الذهبي أيضا: سألت عنه الحَافِظ مُحَمَّد بن عَبِد الواحد-يعني الضياء فقال: إمام خير دين. وقال أيضا: وَكَانَ الشَّيْخ محي الدين-يعني النووي- يقول"هذا أجلُّ شيوخي. وروى عنه النووي في كتاب (الرخصة في القيام) فقالرَحِمَهُ الله: حدثنا الشَّيْخ الإِمَام العَالِمُ المتفق عَلَى إمامته وفضله وجلالته: الفقيه أبو مُحَمَّد عَبِد الرحمن بن الشَّيْخ الإِمَام العَالِم العامل الزاهد أبي عمر المَقْدِسِيّ رضي الله عنه."
وقال الذهبي: وروى عنه أيضًا الشَّيْخ زين الدين أَحْمَد بن عَبِد الدائم وأطال ترجمته وذكر فضائله وعبادته وأوراده وكرمه ونفعه العام وأنه حج ثلاث، فكان آخرها: قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يطلبه فحج ذلك العام. وحضر الفتوحات وأنه كان رقيق القلب، سريع الدمعة، كريم النفس، كثير الذكر لله، والقيام بالليل محافظًا عَلَى صلاة الضحى، ويصلي بَيْنَ العشاءين ماتيسر، ويؤثر بما يأتيه من صلة الملوك وغيرهم وَكَانَ متواضعًا عند العامة مترفعًا عند الملوك، وَكَانَ مجلسه عامرًا بالفقهاء والمحدثين وأهل الدين، وأوقع الله محبته في قلوب الخلق، ولم يكن في زمانه من يصلي أحسن منه ولا أتم خشوعًا، وَكَانَ كثير الدعاء والإبتهال، ولا سيما في الأماكن والأوقات المرجو فيها الإجابة، وَكَانَ كثير الاهتمام بأمور النَّاس، لا يكاد يعلم بمريض إلا افتقده، ولا مات أحد من أهل الجبل إلا شيعه. وذكر فخر الدين البعلبكي: إِنَّهُ منذ عرفه ما رآه غضب وعرفه نحو خمسين سنة!! وقد ولي القضاء مدة تزيد عَلَى إثنتي عشرة سنة عَلَى كره منه ولم يتناول معلومًا ثم عزل نفسه في آخر عمره ومدحه أبو اسحاق اللوزي شَيْخ المالكية في زمانه فقال: كان شَيْخنا شَيْخ الْإِسْلَام شمس الدين قدوة الأنام حسنة الأيام، ممن تفتخر به دمشق عَلَى سائر البلدان، بل يزهو به عصره عَلَى متقدم العصور والأزمان، لما جمع الله له من المناقب