فمن نعم الله عَلَى هذه الأمة المرحومة أن غرس لدينه في كل زمن غروسًا أحيا بهم بساتين العلم الشرعي الكريم، وبعث بفضله في كلّ خلَف عدولًا جدد بهم معالم الدين الْإِسْلَامي العظيم، ليوضح بهم لمن أراد هدايته منهاجه، ويقيم عَلَى من صدّ عنه، وصدف عن آياته حِجاجه، فبذلوا في ذات الله جدهم، ونصحوا لعباد الله جهدَهم، وَكَانَوا أخلاف هدي وفضل وأكناف صدق وعدل، وينابيع معرفة وعلم ومعادن خير وحلم.
فالموفَّق من اقتفى أثرهم وانتهج سبلهم، وأنار قلبه من الظلمة بالتعرف عَلَى أخبارهم، وأيقظ نفسه من الغفلة بالتدبر في أحوالهم، وصيّر كتبهم مسرح نظره وجعل علمهم موطن فِكَره. و العُلَمَاء ورثة الأنبياء، وسادة الأولياء، والشهداء عَلَى الألوهية، والدعاةإِلَى الربوبية، تستغفر لهم حيتان الماء، وطيور السماء، وتدعو لهم النملة، وتستغفر لهم النحلة، وَلاَيتهم لا تقبل العزل، وأحكامهم ليس فيها هزل، مجالسهم عبادة، وكلامهم إفادة، هم حملة الوثيقة، والشهداء عَلَى الخليقة، بهم تصلح الديار، وتعمر الأمصار، ويكبت الأشرار، وهم عز الدين، وتاج الموحدين، وصفوة العابدين، هم أنصار الملة، وأطباء العلة، يذودون عن حياض الشريعة، هم خلفاء الرسول، ثقات عدول، مذاكرتهم من أعظم النوافل، ومرافقتهم من أحسن الفضائل، وهم زينة المحافل، بهم تقام الجماعات والجمع، وبهم تقمع البدع، عالِمٌ واحد، أشد عَلَى الشيطان من ألف عابد، لأن العَالِمُ يُدرِك الحيل، ولا تختلط عليه السبل، يكشف الله به تلبيس إبليس، ويدفع الله بهم كل دجّال خسيس، أحياء بعد موتهم، موجودون بعد فوتهم، علمهم معهم في البيوت والأسواق، ويزيد بكثرة الإنفاق، النَّاس يتقاسمون الدرهم والدينار، وهم يتوزعون ميراث النبي المختار، لو صلّى العابد سبعين ركعة، ما عادلت من العَالِم دمعة، فهم أهل العقول الصحيحة، وأرباب النصيحة.