فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 113

من أعتى الكفار وأكثرِهم تَجَبُّرًا ابنُ بارزان [1] الذي كانت تحت يده جمّاعيل والقرى التي حولها وَكَانَ الشَّيْخ أَحْمَد لا يرضى بمقامه تحت أيدي الكفار - كأبيه الذي كان يذكر الهجرة دائمًا -، وَكَانَ يخطب أيام الجُمُعات ويجتمع النَّاس إليه، فقيل لابن بارزان:"إنّ هذا الرجل الفقيه يُشغِل الفلاحين عن العمل، ويجتمعون عنده"فتحدث في قتله فأعلم الشَّيْخ رجلٌ، فعزم عَلَى المضيِّإِلَى دِمَشْق، فسافر إليها سنة 551 هـ وصَحِبه عَبِدالواحد ابن عليّ بن سرور - زوج أخته -. ولما جاءدِمَشْق، خرج إليه أبو الفضل محمّد بن عَبِدالله بن القاسم الشَّافِعِيّ (491 - 572 هـ) ومعه ألف دينار فعرضها عليه فأبى، فاشترى بها موضعًا بدِمَشق، ووقفه عَلَى المقادسة، وكتب رسالةإِلَى ابنه أبي عمر مُحَمَّد يطلب منه اللحاق بجميع أهله، وأنه: ما بقي يرجعإِلَى تحت أيدي الكفار أبدًا، ويقول: ما أقول إلا كما قَالَ إبراهيم عليه السلام:"فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم". فخرج بهمإِلَى دِمَشق متحملين المشقة صابرين، وَكَانَوا نحوًا من أربعين نفسًا من ذكرٍ وأنثى وكبيرٍ وصغيرٍ. فأنزلهم الشَّيْخ أَحْمَد في مسجد أبي صالح، فأقاموا به مدةً نحو سنتين، ثم انتقلواإِلَى سفح جبل قاسيون، فعمروا الجبل بعد أن كانت الأماكن المعمورة فيه يسيرةً.

وقد اهتمّ الملك العادل نور الدِّين محمود بن زنكيّ بالشيخ أَحْمَد وأسرته وَكَانَ يساعدهم، وَكَانَ يقول:"هذا الشَّيْخ أَحْمَد رجل صالح، وأنا أزوره لأنتفع به".

ثم بنى ابنه أبو عمر المدرسة العُمريّة، ثم كثر البناء في تلك المنطقة التي اشتهرت بالصالحية - قيل: سميت بالصالحية نسبةًإِلَى صلاح هؤلاء المقادسة، وقال أبو عمر المَقْدِسِيّ:"... قَالَ النَّاس: الصالحية نسبوناإِلَى مسجد أبي صالح لأننا نزلنا فيه أولًا لا أنا صالحون"، وعقّب عَلَى ذلك العَلاَّمَةُ مُحَمَّد بن عليّ ابن طولون الصالحيّ الحنفيّ (880 - 953 هـ) بأن قَالَ:"وهذا من باب التواضع من الشَّيْخ، حتى صارت مفخرةً لدِمَشق يسهب في وصفها الرحالون والأدباء وينشد في مدحها الشعراء. وَكَانَ من أولاد الشَّيْخ"

(1) هو الأمير الكونت باليان الثاني دي إبلين ابن بارزان الفرنسيّ: انظر الحركة الصليبية (2/ 812،819 - 825،899) ؛ تاريخ الحروب الصليبية (2/ 654،673) ؛ في رحاب دمشق/37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت