فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 89

وقال ابن تيمية في كتابه الفتاوى (10/ 339) : (وفي هذا الفناء قد يقول: أنا الحق، أو سبحاني، أو ما في الجنة إلا الله، إذا فني بمشهوده عن شهوده، وبموجوده عن وجوده، وفي مثل هذا المقام يقع السكر الذي يسقط التمييز مع وجود حلاوة الإيمان، كما يحصل بسكر الخمر وسكر عشق الصور. ويحكم على هؤلاء أن أحدهم إذا زال عقله بسبب غير محرم فلا جناح عليه فيما يصدر عنه من الأقوال والأفعال المحرمة، بخلاف ما إذا كان سبب زوال العقل أمرًا محرمًا، وكما أنه لا جناح عليهم فلا يجوز الاقتداء بهم ولا حمل كلامهم وفعالهم على الصحة، بل هم في الخاصة مثل الغافل والمجنون في التكاليف الظاهرة) اهـ.

جواب الشبهة

الحمد لله، وبعد فالجواب عن هذا الشبهة موجود في الكلام المنقول آنفًا عنه رحمه الله، وهو أنه يرى أن بعض هؤلاء كالبسطامي قال هذا الكلام - الذي لا شك في كفر من قاله بلا عذر - في وقت سكره واصطلامه وغياب عقله، لذلك نقل في موطن آخر عن البسطامي أنه كان إذا أفاق أنكر أنه قال ذلك، وهو لا يقر على هذا الكفر بلا شك كما كلامه فإنه قال: (وكما أنه لا جناح عليهم، فلا يجوز الاقتداء بهم ولا حمل كلامهم وفعالهم على الصحة، بل هم في الخاصة مثل الغافل والمجنون في التكاليف الظاهرة) لكن يرى أن التكليف رفع عنهم بسب زوال عقولهم بسبب غير محرم، فهم كالمجانين في هذه الحالة، وهذا لا غبار عليه، لكن هل قالوا ذلك في وقت زوال عقولهم، فهذا مما حصل فيه الخلاف، وقد سبق الشيخ إلى هذا علماء، وقال هذا غيره بعده كثيرون أيضًا، فلا يوجه عليه لوم، بل عنده أدلته على هذا، وهذا من إنصافه رحمه الله وورعه، لذلك هو يشنع ويكفِّر من يقول هذه الكلمات وهو في الصحو فيفرق بين كون البسطامي ونحوه قالوا ذلك وقت الاصطلام، وقبول هذا العذر، وبين الحلاج، فيقول عن الحلاج: (وأما كونه إنما كان يتكلم بهذا عند الاصطلام: فليس كذلك، بل كان يصنف الكتب ويقوله وهو حاضر ويقظان .. ) مجموع الفتاوى (2/ 486 - 487) . ومما يبين سبب الخلاف حول هؤلاء كالبسطامي وغيره أنهم في حال صحوهم يقولون كلامًا لا يخرج إلا ممن له حال سنية صحيحة وكلام البسطامي في هذا مشهور معروف، لذلك يقول المناوي: (وهذا وأشباهه إذا وقع من أولئك الأجلة الأكابر - وذكر منهم الشبلي - إنما يصدر عنهم في حال السكر؛ فلا يؤاخذون به، كما نقل عن أبي يزيد البسطامي من نحو: سبحاني، وما في الجبة إلا الله، ما النار لأستعدن لها غدًا، وأقول: اجعلني لأهلها الفدا. أما الجنة لعبة صبيان. وقوله: هب لي هؤلاء اليهود ما هؤلاء حتى تعذبهم، إلى غير ذلك من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت