ومن ادعى ذلك فهو إمّا جاهل وإما كاذب، ولكن ما نسب إليه الانفراد به ينقسم إلى أربعة أقسام: الأول: ما يستغرب جدًا فينسب إليه أنه خالف الإجماع لندور القائل به ولخفائه على كثير من الناس، ولحكاية بعض الناس الإجماع على خلافه ... الثاني: ما هو خارج عن مذاهب الأئمة الأربعة لكن قد قاله بعض الصحابة أو السلف أو التابعين والخلاف فيه محكي ... الثالث: ما اشتهرت نسبته إليه مما هو خارج عن مذهب الإمام أحمد - رضي الله عنه - لكن قد قال به غيره من الأئمة وأتباعهم ... الرابع: ما أفتى به واختاره مما هو خلاف المشهور في مذهب أحمد وإن كان محكيًا عنه وعن بعض أصحابه. ا. هـ. وهذا من توفيق الله له وسببه عدم الخروج عن النصوص وعن إجماع السلف وخلافهم، بل إذا ما رأى رأيًا باجتهاده لم يعلم من سبقه إليه من السلف قال: هذا هو الصحيح إن لم يكن في المسألة إجماع، لذلك لم يأت في الدين بجديد، بل يقول: (إن علماء المسلمين إذا تنازعوا في مسألة على قولين لم يكن لمن بعدهم أحداث قول ثالث، بل القول الثالث يكون مخالفًا لإجماعهم) مجموع الفتاوى (27/ 308) ، فهو رحمه الله متبع وليس بمبتدع يعرف ذلك ضرورة من أكثر القراءة له، وحاله كما قيل عن الإمام أحمد بن حنبل: الاعتقاد لمالك والشافعي ونحوهما والظهور لأحمد، وإنما الجديد الذي جاء به الدفاع المفصل بالعقل والنقل عن عقيدة السلف، وشرح كلامهم والرد على الشبهات التي استجدت بعد السلف كشبهات الفلاسفة ونحوهم، وما فتح الله عليه من الفتوح التي امتلأت بها كتبه من وجوه الاستنباطات الدقيقة وأدلة الترجيح بين المذاهب، ثم إن الذي يقع في كفريات الفلاسفة وهو لا يعلم بها قد يكون سبب ذلك عدم فهمه للفلسفة، وهو قد فهمها فهمًا صحيحًا باعتراف الفلاسفة أنفسهم يقول الدكتور عبدالرحمن بدوي في ترجمة (لاؤوست) من موسوعة المستشرقين، ولاؤوست هذا تخصص في شيخ الإسلام وتوفر على دراسته وكان من ذلك رسالتيه للحصول على الدكتوراة كان الرئيسية بعنوان (بحث في آراء ابن تيمية الاجتماعية والسياسية) والرسالة الفرعية (إسهام في دراسة المناهج الشرعية عند ابن تيمية) , يقول الأستاذ عبدالرحمن بدوي أثناء بيان مضمون الرسالتين عنه - أي شيخ الإسلام-: (الفقية الحنبلي المذهب، السُّني العقيدة، الواسع الاطلاع على الفلسفة والكلام) ، ومع أن عبدالرحمن بدوي متحامل على شيخ الإسلام ابن تيمية، لكن قال هذا الاعتراف، وهو من هو في معرفة الفلسفة، وممن نقد الجويني بسبب عدم فهمه للفلسفة، يبين سعة اطلاع الشيخ رحمه الله بأقوال الفلاسفة وفهمه لها، وهذا واضح وجلي لمن يقرأ في الفلسفة ويقرأ كتبه، حتى أن من يقرأ كتبه في الرد على الفلسفة يجد أنه فهم الفلسفة ولو لم يرجع إلى كتب الفلسفة الأصلية، مع اختلاف في طريقة عرضه لها عن طرق الفلاسفة.