الحمد لله، وبعد؛ فالجواب أن هذين البيتين ليسا لابن عبدالهادي، فإن ابن عبدالهادي قال: (من قصائد الشيخ مجير الدين أحمد بن الحسن بن محمد الخياط الجوخي الدمشقي مرثية في الشيخ رحمه الله تعالى) ثم ذكر هذه الأبيات في العقود الدرية ص 434. وحال هذين البيتين كحال الأبيات التي سبق الكلام عنها فكلها ينقلها الشيخ رحمه الله عن غيره، وليست من نظمه. وليس في البيتين ما ينكر مع حسن الظن بالقائل، ومع احتمال القصد الحسن في كلامه، فقوله: (تطوَّفت) فليس المراد به الطواف المعروف، ولكن بمعنى أنها معه ومِن حوله وليس هذا بغريب، فكون الأبرار من الإنس يحفُّون ويتبعون جنازة إمام من أئمة المسلمين ويشهدون له بالخير فهي علامة خير، وهم شهداء الله في الأرض كما صح به الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه- قال: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عليها خَيْرًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وَجَبَتْ) ، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عليها شَرًّا, فقال: (وَجَبَتْ) ، فقال عُمَرُ بن الْخَطَّابِ: ما وَجَبَتْ؟ قال: (هذا أَثْنَيْتُمْ عليه خَيْرًا فَوَجَبَتْ له الْجَنَّةُ, وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عليه شَرًّا فَوَجَبَتْ له النَّارُ؛ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ في الأرض) متفق عليه. لذلك قال الإمام أحمد: (قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم يوم الجنائز) رواه شيخ الإسلام الصابوني، وقد كانت جنازة الإمام أحمد عظيمة مشهودة بخلاف خصومه، وكذا كانت جنازة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما هو معروف في كتب التاريخ يقول الحافظ ابن كثير في تاريخه: (ثم شرعوا في غسل الشيخ وخرجت إلى مسجد هناك، ولم يدَعوا عنده إلا من ساعد في غسله، منهم شخينا الحافظ المزي وجماعة من كبار الصالحين الأخيار أهل العلم والإيمان، فما فرغ منه حتى امتلأت القلعة وضج الناس بالبكاء والثناء والدعاء والترحم، ثم ساروا به إلى الجامع .. ودخلوا بالجنازة إلى الجامع الأموي والخلائق فيه بين يدي الجنازة وخلفها وعن يمينها وشمالها مالا يحصى عدتهم إلا الله تعالى, فصرخ صارخ وصاح صائح: هكذا تكون جنائز أئمة السنة، فتباكى الناس وضجوا عند سماع هذا الصارخ، ووضع الشيخ في موضع الجنائز مما يلي المقصورة، وجلس الناس من كثرتهم وزحمتهم على غير صفوف بل مرصوصين رصًّا لا يتمكن أحد من السجود إلا بكلفة .. وجاء الناس من كل مكان .. وكثر الناس كثرة لا تحد ولا توصف، فلما فرغ من أذان الظهر أقيمت الصلاة عقبه على السدة خلاف العادة، فلما فرغوا من الصلاة خرج نائب الخطيب لغيبة الخطيب بمصر فصلى عليه إمامًا وهو الشيخ علاء الدين الخراط ثم خرج الناس من كل مكان من أبواب الجامع والبلد كما ذكرنا، واجتمعوا بسوق الخيل ومن الناس من تعجل بعد أن صلى في الجامع إلى مقابر الصوفية، والناس في بكاء وتهليل في مخافته كل واحد بنفسه، وفي ثناء وتأسف، والنساء فوق الأسطحة