وفي المحاورات التي تضمنها الكتاب (من نقد الاستشراق إلى نقد الاستغراب: حوار الاستشراق) طروحات جيدة حول هذا المفهوم، لا يملك المتابع لها أن يخفي إعجابه بها، وإن كان قد لا يتفق معها دائمًا، ولكنه الحوار الهادئ العميق وغير المجامل الذي يجذب القارئ إليه، ويتيح له هامشًا كبيرًا للتأمل والتفكر، ولعله لا يخفى على القارئ استمرار المتعة بهذا الطرح، والإفادة منه في ملاحقة ظاهرة أو حركة الاستشراق، للرغبة في الاستزادة من قراءة ما يكتب حولها، من نقد لها أو عليها [1] .
ومن هذا المنطلق يكون العرب قد بدؤوا يطرقون أبواب الاستغراب، بعد دعوات عدة لدراسة الغرب، في ثقافته وعاداته، وتقاليده وآدابه [2] .
والكتاب في غاية الأهمية لمن يعنيهم نقد الاستشراق، والدعوة إلى الردود عليه، فيما بدأ يطرح الآن على أنه دعوة إلى قيام علم أو ظاهرة أو حركة الاستغراب، التي يرجى ألا تكون مجرد رد فعل لظاهرة الاستشراق، التي تكونت منذ أكثر من سبعمائة سنة على أقل تقدير، منذ أن دعا ريموندو لوليو (1135 - 1314 م) الكنيسة والملوك إلى تعليم اللغات الشرقية في جامعات أوروبا [3] .
وتعرضت الظاهرة أو الحركة لتقلبات عددية بحسب ما تعرض له المجتمع المسلم من تقلبات، بدءًا بالحروب الصليبية ثم الاحتلال ثم التنصير [4] ، ثم الآن عودة الحروب الصليبية في أوروبا، بالتطهير العرقي والعقدي، مما يعني استمرار الاستشراق مهما حاول أقطابه أن ينسلخوا من المصطلح، وبالتالي يعني ذلك فهم الغرب ومنطلقاته في حملاته المتكررة على الشرق، ليس على مستوى الحروب فحسب، ولكن على مستويات أخرى ثقافية وسياسية واقتصادية، على أن زكي نجيب محمود (1905 - 1993 م) يؤكد على أن خلافنا مع الغرب وهمٌ متبادل، وفي هذا تجاهل لكل أدوات سوء الفهم، أو سوء النية، كما يقول فتحي رضوان (1911 - 1988 م) [5] ، التي طغت على العلاقة بين الشرق والغرب [6] ، مما يوحي بقدر من التبعية التي يقول
(1) انظر: يوهان فوك. تاريخ حركة الاستشراق: الدراسات العربية والإسلامية في أوروبا حتى بداية القرن العشرين/ تعريب عمر لطفي العالم. ط 2. دمشق: دار قتيبة، 1417 هـ (1996 م) . ص 386.
(2) انظر: حسن حنفي. مقدمة في علم الاستغراب. مرجع سابق. ص 650.
(3) انظر: نجيب العقيقي. المستشرقون. مرجع سابق. 1: 122 - 123.
(4) انظر: علي بن إبراهيم النملة. التنصير: المفهوم - الوسائل - المواجهة. ط 5. - بيروت: مكتبة بيسان. 1431 هـ (2010 م) . ص 270.
(5) انظر: فتحي رضوان: كراهيتنا للغرب مشروعة. ص 27 - 40. في: أحمد الشيخ. من نقد الاستشراق إلى نقد الاستغراب: المثقفون العرب والغرب. مرجع سابق. ص 32.
(6) انظر: زكي نجيب محمود. خلافنا مع الغرب وهم متبادل. ص 15 - 26. في: أحمد الشيخ. من نقد الاستشراق إلى نقد الاستغراب: المثقفون العرب والغرب. مرجع سابق. ص 32.