ولذلك يجيء من يسمي هذا النوع من التسامح - إذا سمح المصطلح - بالتسامح الليبرالي الذي قام على المنظومة الفكرية الغربية التي هي بدورها تقوم على أربع ركائز، انتقلت لتكون ركائز التسامح الليبرالي، وهي على النحو الآتي:
1 -إحلال الطبيعي محل الإلهي.
2 -إحلال العقل محل الوحي.
3 -إحلال الإنسان محل الله.
4 -إحلال القانون الوضعي محل القانون السماوي [1] .
والواضح أن هذه المرتكزات الرئيسية الأربعة تسعى إلى فرض أفكار مناقضة لمفهوم السماحة في الإسلام، ومن ثم فهي تهدف إلى تقويض مرتكزات الإسلام [2] .
ومن تلك المرتكزات الحفاظ على ما تعارف عليه المسلمون من الضرورات الخمس، وهي حفظ الدين والنفس والمال والعقل والنسل، تلك الضرورات التي فصلها الإمام الشاطبي (790 ه/ 1388 م) في كتابه الموافقات يقول:"فقد اتفقت الأمة، بل سائر الملل، على أن الشريعة وُضِعَتْ للمحافظة على الضروريات الخمس؛ هي الدين والنفس والنسل والمال والعقل" [3] .
ويتضح أن لهجة المقالات الثلاث الأخيرة من الكتاب التسامح بين شرق وغرب ركزت على الرغبة في بث روح التسامح، من خلال الانفراط من عقد الدين، الذي يدين به الكتاب الأربعة؛ لاتهامهم رجال الدين في الديانة النصرانية بالتأثير السلبي على مفهوم التسامح، ومن ذلك الحفاظ على ما تعارف عليه المسلمون بالضروريات الخمس، مع التوكيد، في مقابل هذا، على نبذ التعصب، بالمفهوم السلبي للتعصب [4] ، أما التعصب الإيجابي فمطلوب وموجود.
ويغوص المؤلفون الغربيون الأربعة - كل حسب أسلوبه وطريقته - في هذا المجال، ليقدموا رؤية شخصية للتسامح، جديرة بالتوقف عندها؛ لمعرفة مدى محدودية عقل ابن آدم في النظر إلى القضايا الكبرى، التي تحكم الوجود البشري، في تعامله مع ذاته ومع خالقه، بما في ذلك
(1) انظر: محمد بن أحمد مفتي. نقد التسامح الليبرالي. الرياض: مجلة البيان، 1431 هـ. ص 56 - 57.
(2) انظر: محمد بن أحمد مفتي. نقد التسامح الليبرالي. المرجع السابق. ص 57.
(3) انظر: إبراهيم بن موسى الشاطبي (توفي سنة 790 هـ) . الموافقات في أصول الأحكام/ تعليق محمد خضر حسين، تصحيح محمد منير. القاهرة: المطبعة السلفية، 1341 هـ. 1: 31.
(4) انظر: محمد الغزالي. التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2005 م. ص 341.