الصفحة 47 من 58

وعنه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا، هَمَّ الْمَعَادِ، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهِ هَلَكَ) [1] ، وقال مالك بن دينار: (الدنيا دارٌ، من صح فيها سقم، ومن أمن فيها ندم، ومن افتقر فيها حزن، من استغنى فيها افتتن، حلالها حساب، وحرامها عقاب) .

هي الدنيا تقول بملء فيها ... حذار حذار من بطشي وفتكي

فلا يغرركمُ مني ابتسام ... فقولي مضحك، والفعل مبكي

وإن العمر مهما طال مجرد لحظات نعيشها، ثم تمضي ولا تعود، ولو أردنا في آخره أن نسترجع تلك اللحظات، لمرت على خواطرنا في دقائق معدودة، إنها لحظات ثلاث، لحظة مرت وانقضت وأصبحت ذكرى، ولحظة حاضرة لا نزال نعيشها، ولحظة نتطلع إليها في المستقبل، فأما الماضي فنحن نخاف من تفريطنا فيما اقترفناه فيه من شر، ونحزن ونتحسر على ما انقضى منه في سعادة وفرح، وأما المستقبل فمنه نخاف ونتوجس، إما لشر نتوقعه ونحذره، وإما لخير نتلهف عليه ونترقبه، وبين الخوف والرجاء من توقعات المستقبل، والحسرة والألم من سجلات الماضي، تتبدد طاقات الحاضر الذي نعيشه، فتضيع ثمرة عطائه دون كسب يزيد من رصيدنا فيه، ناهيك عن خسائر قد تثقل أوزارنا به، ذلك الذي قد يزيد من ضغط ذكريات الماضي، وقلق التطلع إلى المستقبل مع كل حاضر يقبل، ولو علمنا أن الساعة التي يجب أن تستحوذ على جميع اهتمامنا هي الساعة الحاضرة التي نعيشها، بالتصالح مع الماضي أملًا في مغفرة الله عز وجل لما تقدم فيه من أعمال، وبالتفاؤل والاستبشار في المستقبل، أن يحقق لنا الخير فيما بقي من أيامنا فيه، لمكن الله عز وجل لنا من استثمار هذا الحاضر في عمل صالح وعطاء مثمر، يبيض صفحة الماضي بالطمأنينة والرضا، ويزهر صفحة المستقبل بالتفاؤل والاستبشار.

عش ما بدا لك آمنا ... في ظل شاهقة القصور

يُسعى إليك بما اشتهيت ... لدى العشية والبكور

فإذا النفوس تغرغرت ... بزفير حشرجة الصدور

فهناك تعلم موقنا ... ما كنت إلا في غرور

(1) رواه ابن ماجه (4106) وحسّنه الألباني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت