كنائس الرهبان أن التدخين هو زنا الشفاه، وكذلك أطلق أحد كبار المدخنين وصفًا للسيجارة بكونها الإصبع السادس في يد كل مدخن.
وفي العالم الإسلامي واجه العلماء التدخين مقاومة شديدة، فمنهم من حرمه وحرم الاتجار فيه، ومنهم من أمر بطرد جميع المؤذنين والأئمة المدخنين من المساجد، لانتفاء صفة العدل فيهم، ومنهم من وصف سلوك المدخن بالسفه، بما يوجب الحجر عليه لقول الله عز وجل: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ... } [1] .
هكذا واجهت المجتمعات والحكومات والعلماء التدخين في بداية انتشاره، وبرغم أن المعرفة بأخطاره لم تكن قد اكتشفت بعد، فكيف بنا الآن وبعد معرفة أثاره المدمرة على صحة الإنسان والحيوان، بل وعلى سلامة البيئة كلها من حولنا؟!، والعجيب أنه برغم ذلك فقد انتشر في مختلف الشعوب، وحتى اضطرت الحكومات أن تكتفي بفرض ضرائب على المدخنين لتضيق عليهم، وسرعان ما انهارت هذه العقوبات وأصبح التدخين سلوكًا مقبولًا في كل مكان بلا تحديد أو استثناء، فتراه في تجمعات الناس وفي الأماكن المغلقة، ووسائل المواصلات، ومواقع العمل، بل وفي المستشفيات التي تعج بالمرضي، ولقد شاهدت بقايا سيجارة من طبيب التخدير بحجرة العمليات، داخل إحدى العيادات الخاصة، بعد إجراء عملية جراحية لمريض!!، هكذا استقبلت الحكومات والشعوب هذه العادة الخبيثة، التي انتشرت بين الناس كالنار في الهشيم، فكيف يكون موقفنا الآن معها بعد أن وقفنا حتى سنة 2002 م على نتائج أكثر من خمسة وعشرين ألف بحث طبي ونفسي يحذر من آثارها المروعة؟!، فكم يكون عددها الآن؟!.
إن انتشار هذا الوباء بين مختلف الفئات والأعمار والأجناس لا يعطينا الحق في الانقياد والاستسلام للوقوع في حبائله فالحكمة تستوجب أن نحكم أي سلوك لنا بمعايير العقل السديد والفكر الرشيد، والمحفوظ بهدي السماء فلا نسير وراء العادات والتقاليد وكما يكون الناس نكون قبيلة غزية الذي يقول: ...
وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد
ولكن علينا أن نهتدي بهدي رسولنا العظيم صلى الله عليه وسلم فعن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تكنوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وأن أساءوا فلا تظلموا) ، كما حذرنا الله عز وجل في قوله: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يبتغون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون) [2] .
(1) النساء: 5.
(2) الأنعام: 116.