فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 55

حكمها، وكتبنا بكل ما اتفقنا عليه نسختين، ولكن كانت الأقدار من وراء تدبيرنا، فقبضه الله إليه».

كما أشار ابن جلول وهو من بين المأبنين البارزين للشيخ ابن باديس وابن خاله إلى مرض ابن باديس الذي ظل مجهولا حتى عند أقرب الناس إليه فيقول: «وبحكم مهنتي كطبيب تشرفت ببذل المعالجة له خلال مرضه الأخير، الذي قضى عليه ولم يرض بالتوجه إلي ومنحي ثقته لمعالجته إلا بعد أن فطنا له مرهق منذ عهد بعيد، وأن مشيه من مكتبه إلى الجمعية، إلى الجامع الأخضر قد أصبح مضنيا بالنسبة إليه، وقد بذلت ما في وسعي لكسب ثقته، وبذل الشفاء له، ويا أسفاه فالمرض قد كان يمخر جسمه شيئا فشيئا» .

ويقول ابن جلول: أن ابن باديس بلغ منه التعب والإرهاق مبلغا جعله في آخر أيامه لا يقوى على تجاوز مسافة تقدر بمئتي متر على قدميه نظرا لتمكن المرض من جسمه النحيف المتهالك، فكان مرقده إلى جوار حجرة دروسه ولما أنهكه العيي، وهو الذي قاومه خمسين سنة، أذن لطلابه لأول مرة في حياته منحهم خمسة عشر يوما كعطلة بمناسبة المولد النبوي بعدما عرف عنه أنه لم يكن يقبل بأكثر من ثلاثة أيام كتوقف عن التحصيل، ولما أظهر طلابه المتعلقون به تعجبهم من هذا التسريح الذي يدوم نصف شهر، أجابهم بلغة يائسة وألم يمزق أحشاءه وحسرة تعتصر قلبه: «إنني متهالك ... إنني مريض للغاية فاعذروني» فلم يعلن رجل كابن باديس أنه انهار فمعنى ذلك أن في الأمر ما يدفع إلى التساؤل عن كيفية الرعاية التي كان يحظى بها في مدينة قسنطينة وأعني بذلك الرعاية الصحية والغذائية والنفسية.

ومن قائل أنه مات موتة طبيعية، وهو ما يؤكده الأستاذ عبد الحق أخو الشيخ بن باديس: «كان ابن باديس نحيف الجسم، ولم يكن يُعطي لنفسه قسطا من الراحة، فيومه يبدأ مع صلاة الصبح، ولا ينتهي إلا في ساعة متأخرة من الليل، وهذا لمدة 25 سنة قضاها بأيامها ولياليها في التدريس والتفسير، وإلقاء المحاضرات ودروس الوعظ والإرشاد، والكتابة في الصحافة، وإدارة الأعمال الإدارية وكثرة السفر حيث كان يستقل قطار (قسنطينة - الجزائر) كل مساء أربعاء ليعود مساء كل جمعة، وزادت حصصه التدريسية اليومية لترتفع إلى ثلاث حصص في اليوم .. ومع أنه لم يكن يعاني من أي مرض حتى أنه لم يلبس في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت