إنه إن كان يطلب الوجاهة والعلو والمجد فليس شيء أوجه ولا أعلى ولا أمجد من أن يكون هذا القرآن كلامه [1] .
وإن كان يطلب هداية الناس فالناس يسرهم أن يأخذوا الهداية مباشرة ممن يعجز الجن والإنس بكلامه ويتحدى كل جيل وقبيل ببيانه ويقهر كل معارض ومكابر ببرهانه، ولو كان القرآن من تأليف محمد لأَثبت به ألوهيته بدلًا من نبوته لأن هذا القرآن لا يمكن أن يصدر إلا عن إله كما بينت.
وإذن لكانت تلك الألوهية أبلغ في نجاح دعوته وأرجى في ترويج ديانته لأن الناس تبهرهم الألوهية أكثر مما تبهرهم النبوة ويشرفهم أنهم أتباع إليه أكثر من أن يشرفهم أنهم اتباع رسول لم يخرج ولن يخرج يومًا من أرض العبودية ولم يرتق ولن يرتق يومًا إلى سماء الربوبية.
ولهذا كان أعداء الرسل كثيرًا ما يعظم عليهم أن يخضعوا لرجل منهم وكانوا يعجبون أن يوحى إلى بشر مثلهم، ويقترحون أن يرو الله جهرة أو تنزل لهم الملائكة عيانًا.
فلو كان محمد شعبان صاحب هذا التنزيل لخرج عن مستوى الخلق جملةً.
ولظهر في أفق الألوهية، يطل على العالم بعظمة تنقطع دونها الأعناق وتخضع لها الرقاب وأن يحقق كل ما اقترحه معارضوه من الآيات ولكنه اعترف بعبوديته آنذاك وتبرأَ من حوله وقوته إزاء هذا الكتاب وغيره من المعجزات وخوارق العادات ولو قرأنا في سورة الإسراء حيث قال الله عز وجل: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ
(1) مناهل العرفان (2/ 466 - 470) .