مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ) [القصص: 46] فما بلغته من تفاصيل الصلاة والصيام ولا الزكاة المفروضة علينا ولا أتى بشيء منها.
ومع هذا عذر فيها لأنه حقق أصل الإيمان الواجب في حقه وحق كل أحد كاملًا ألا وهو الحنيفية، اجتناب الشرك وتحقيق أصل التوحيد.. فكان على ملة إبراهيم.. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يبعث أمة وحده يوم القيامة..
بل حالهم كحال من آمن بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ومات بمكة قبل نزول الشرائع فقد أتى هؤلاء بالإيمان الواجب عليهم آنذاك، ما داموا قد حققوا التوحيد واجتنبوا الشرك والتنديد وشهدوا برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم..
وهذا الجواب كله إنما يكون بعد إثبات صحة الحديث، وصحة كون زيادة "يا صلة تنجيهم من النار" مرفوعة لا مدرجة من قول حذيفة رضي الله عنه..
والحاصل مما تقدم كله أن يتيقن الموحد من أن "تحقيق التوحيد والبراءة مما يضاده من كل شرك مخرج من الملة وتنديد" أصل الدين وقاعدته، وقوام دعوة الرسل وقطب رحاها.. وأن جميع الشرائع جاءت لحفظه وتحقيقه وصيانته، وأن هذا أمر محكم لا يتطرق إليه التشابه بحال..
فالواجب مع كل خبر يشتبه على أحد من الناس أو يتوهمه المتوهمون معارضًا لهذا الأصل المحكم، أن يدرج تحته ويحمل عليه، لأنه هو (أم الكتاب وأصله) لا أن يصادم به ويعارض، فضلًا عن أن يسعى لهدمه بتلك الأخبار كما يفعله مرجئة العصر لأجل سواد عيون طواغيتهم.. (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) [آل عمران: 7] .
نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياك من الراسخين في العلم..
يقول الشاطبي في الاعتصام: "لا يمكن أن تعارض الفروع الجزئية الأصول الكلية، لأن الفروع الجزئية إن لم تقتض عملًا فهي في محل التوقف، وإن اقتضت عملًا فالرجوع إلى الأصول هو الصراط المستقيم، فمن عكس الأمر حاول شططًا ودخل في حكم الذم" اهـ.
وفي هذا القدر الكفاية لطالب الحق في هذا الباب.
وأما من يرد الله فتنته، فلن تملك له من الله شيئًا.
[1] وبهذا يظهر لك أيضًا بطلان شبهة من شبهات مرجئة العصر، وهي ترقيعهم لطواغيتهم، بزعمهم أن النجاشي حكم بغير ما أنزل الله بعد أن أسلم ومع هذا لم يكفره النبي صلى الله عليه وسلم بل شهد له بالإسلام وصلى عليه لما مات.
(كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا) بل قد حكم بما أنزل الله إليهم آنذاك، واتبع ما كان مفترضًا عليهم في ذلك الوقت، إذ لم يكن التشريع قد كمل وقتها، فكان الاستسلام