فهرس الكتاب

الصفحة 343 من 370

بالأبناء والإخوة وبالزوج والعشيرة ; ولا عليه أن يتخذ الأموال والمتاجر والمساكن ; ولا عليه أن يستمتع بزينة الله والطيبات من الرزق - في غير سرف ولا مخيلة - بل إن المتاع بها حينئذ لمستحب , باعتباره لونا من ألوان الشكر لله الذي أنعم بها ليتمتع بها عباده , وهم يذكرون أنه الرازق المنعم الوهاب.

ولا يكتفي السياق بتقرير المبدأ , بل يأخذ في استعراض ألوان الوشائج والمطامع واللذائذ ; ليضعها كلها في كفة ويضع العقيدة ومقتضياتها في الكفة الأخرى: الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة [وشيجة الدم والنسب والقرابة والزواج] والأموال والتجارة [مطمع الفطرة ورغبتها] والمساكن المريحة [متاع الحياة ولذتها] . . وفي الكفة الأخرى: حب الله ورسوله وحب الجهاد في سبيله. الجهاد بكل مقتضياته وبكل مشقاته. الجهاد وما يتبعه من تعب ونصب , وما يتبعه من تضييق وحرمان , وما يتبعه من ألم وتضحية , وما يتبعه من جراح واستشهاد. . وهو - بعد هذا كله -"الجهاد في سبيل الله"مجردا من الصيت والذكر والظهور. مجردا من المباهاة , والفخر والخيلاء. مجردا من إحساس أهل الأرض به وإشارتهم إليه وإشادتهم بصاحبه. وإلا فلا أجر عليه ولا ثواب. .

(قل: إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها , وتجارة تخشون كسادها , ومساكن ترضونها , أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله. . فتربصوا حتى يأتي الله بأمره. . .)

ألا إنها لشاقة. ألا وإنها لكبيرة. ولكنها هي ذاك. . وإلا:

(فتربصوا حتى يأتي الله بأمره) .

وإلا فتعرضوا لمصير الفاسقين: (والله لا يهدي القوم الفاسقين) . .

وهذا التجرد لا يطالب به الفرد وحده , إنما تطالب به الجماعة المسلمة , والدولة المسلمة. فما يجوز أن يكون هناك اعتبار لعلاقة أو مصلحة يرتفع على مقتضيات العقيدة في الله ومقتضيات الجهاد في سبيل الله.

وما يكلف الله الفئة المؤمنة هذا التكليف , إلا وهو يعلم أن فطرتها تطيقه - فالله لا يكلف نفسا إلا وسعها - وإنه لمن رحمة الله بعباده أن أودع فطرتهم هذه الطاقة العالية من التجرد والاحتمال ; وأودع فيها الشعور بلذة علوية لذلك التجرد لا تعدلها لذائذ الأرض كلها. . لذة الشعور بالاتصال بالله , ولذة الرجاء في رضوان الله , ولذة الاستعلاء على الضعف والهبوط , والخلاص من ثقلة اللحم والدم , والارتفاع إلى الأفق المشرق الوضيء. فإذا غلبتها ثقلة الأرض ففي التطلع إلى الأفق ما يجدد الرغبة الطامعة في الخلاص والفكاك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت