ومن الشبه التي أثيرت أيضًا قول بعضهم: إن ترك إعانة طالبان ونحوها إنما هو وفاء بالمواثيق التي بيننا وبين أمريكا لقوله تعالى (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) (الأنفال: من الآية 72) .
والجواب على هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: أن هذا الأمر في حق من ترك الهجرة وبقي في ديار الحربيين، كما قال تعالى في أول الآية (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (الأنفال:72) ، قال ابن كثير رحمه الله (التفسير 2/ 330) :"قوله تعالى (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ) : هؤلاء الأعراب الذين لم يهاجروا في قتال ديني على عدوٍ لهم فانصروهم; فإنه واجب عليكم نصرهم لأنهم إخوانكم في الدين، إلا أن يستنصروكم على قوم من الكفار بينكم وبينهم ميثاق أي مهادنة إلى مدة فلا تخفروا ذمتكم ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم"، والآية ظاهرة في هذا الأمر، فلا لبس فيه ولا إشكال ولله الحمد.
وقال القرطبي رحمه الله (التفسير 8/ 57) :"قوله تعالى (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ) : يريد إن دعوا هؤلاء المؤمنون الذين يهاجروا من أرض الحرب عونكم بنفير أو مال لاستنقاذكم فأعينوهم فذلك فرض عليكم فلا تخذلوهم، إلا أن يستنصروكم على قوم كفار بينكم وبينهم ميثاق فلا تنصروهم عليهم ولا تنقضوا العهد حتى تتم مدته".
الوجه الثاني: أن هذا الأمر أيضًا منسوخ كما صرح به جمع من أهل العلم، (أحكام الجصاص 3/ 113) ، وقد قال ابن العربي رحمه الله (أحكام ابن العربي 2/ 440) :
"ثم نسخ الله ذلك بفتح مكة والميراث بالقرابة، سواء كان الوارث في دار الحرب أو في دار السلام; لسقوط اعتبار الهجرة بالسنة، إلا أن يكونوا أسراء مستضعفين; فإن الولاية معهم قائمة، والنصرة لهم واجبة بالبدن بألا يبقى منا عين تطرف حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم، حتى لا يبقى لأحد درهم، كذلك قال مالك وجميع العلماء، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما حل بالخلق في تركهم إخوانهم في أسر العدو، وبأيديهم خزائن الأموال وفضول الأحوال والعدة والعدد، والقوة والجلد".
قلت: رحمك الله يا ابن العربي، كيف لو رأيت حالنا اليوم؟!!.