بيان أن الحكم بمعنى التشريع كفر مجرد بخلاف الحكم بمعنى الجور في القضاء ففيه التفصيل وأن كفر الطواغيت اليوم وعبيدهم من الأول واستئصالًا لشبهات مرجئة العصر وأذناب الجهم وبشر المريسي، بقي أن ننبه الأخ الموحد إلى معنى الحكم بغير ما أنزل الله الذي حكم الله تعالى على أهله بالشرك والكفر المخرج من الملة دون أن يُذكر معه الاستحلال والاعتقاد أو نحوه كقيد لذلك .. وأنه هو عينه التشريع العام والملزم الذي جعله طواغيت العصر حقا لهم ولآتباعهم من الشعب بنيابة برلماناتهم الكفرية، وهو عمل من أعمال الكفر المحض الذي يكفر صاحبه دون أن يقال فيه استحل أو لم يستحل، واعتقد أم لم يعتقد، بخلاف الجور في القضاء والحكم مع التزام الإسلام وشرائعه وعدم تبديل شيء منها .. فهذا فيه التفصيل المشهور المعلوم بين معتقد مستحل أو عاص متبع للهوى أو الشهوة ونحوها .. وهذا التفصيل الأخير يلبس فيه مرجئة العصر وأشياخهم على الأمة وعلى الناس، بتنزيله على النوع الكفري الأول الحاصل من طواغيت العصر فيصورون لهم جريمتهم النكراء هذه على أنها معصية لا يكفر صاحبها إلا بالاستحلال أو الجحود ..
فلا بد أن تعرف معنى التشريع الذي هو متعلق بالشرك والتوحيد وتفهم الفرق بينه وبين الحكم المتعلق بالفروع ليزول عنك تلبيس مرجئة العصر والإشكال الذي قد يقع لك في كلام بعض السلف عندما يجمعون بين (الحكم بغير ما أنزل الله) وبعض الذنوب غير المكفرة التي سماها الرسول صلى الله عليه وسلم كفرًا ويدرجون ذلك كله في الكفر الأصغر الذي لا يكفر صاحبه إلا بالاستحلال - فإنهم يريدون بالحكم ها هنا معناه غير المخرج من الملة لا المعنى التشريعي التبديلي الحاصل من طواغيت العصر .. ومن جنس هذا قول ابن القيم ص (61) وغيرها من كتاب الصلاة:"وإذا حكم بغير ما أنزل الله أو فعل ما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم كفرًا وهو ملتزم للإسلام وشرائعه فقد قام به كفر وإسلام"اهـ. فتأمل قوله:"وهو ملتزم للإسلام وشرائعه"تعرف أنهم لا يقصدون في مثل هذه المقالات الحكم بغير ما أنزل الله بصورته التشريعية الكفرية في زماننا .." [1] ."
وقد أشار إلى مثل هذا التفصيل والتفريق الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه (التوضيح عن توحيد الخلاّق في جواب أهل العراق) ص (141) فقسّم الحكم بغير ما أنزل الله إلى نوعين ..
نوع شركي يضاد التوحيد. ونوع في الفروع.
وبيّن أن النوع الأول كفر حقيقي لا إيمان فيه ..
وأما الثاني [2] فذكر التفصيل المعروف فيه على قسمين:
فإن لم يقر اللسان وينقد القلب [3] فهو أيضًا كفر حقيقي لا إيمان معه.