فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 370

"وأما إن اعترف بقلبه وأقر بلسانه بحكم الله ولكنه عمل بضده ظاهرًا في الفروع خاصة، فليس بكفر ينقل عن الملة" وذكر في هذا آثارًا منها قول طاووس: "ليس الحكم في الفروع بغير ما أنزل الله مع الإقرار بحكمه والمحبة له ينقل عن الملة" وبين هذا النوع في موضع آخر من كتابه ص (143) بقوله: "وعدم الحكم بما أنزل الله في الفروع التي ليست من أصل الدين مع الاعتراف بحكم الله في قلبه وقوله ومحبته واختياره وانقياده إليه فيهما" اهـ.

فتأمل تفريقهم بين الحكم المتعلق بالشرك والتوحيد (التشريع) .

والحكم في الفروع بمعنى "الجور في القضاء من غير تشريع ولا استبدال ولا استحلال".

وكما يخلط بينهما مرجئة العصر جهلًا أو تلبيسًا وتدليسًا فينزلون النوع الأخير على طواغيت الزمان المشرعين، فكذلك الخوارج خلطوا وأرادوا جعل الأخير كالأول وإن لم يصاحبه استحلال أو جحود.. ولذلك قال الشيخ سليمان في الموضع الأول: "وقد جنح الخوارج إلى العموم لظاهر الآية وقالوا أنها نص في أن كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله فوجب أن يكون كافرًا. وقد انعقد إجماع أهل السنة والجماعة على خلافهم. ونحن لم نكفر إلا من لم يحكم بما أنزل الله من التوحيد بل حكم بضده وفعل الشرك ووالى أهله وظاهرهم على الموحدين" اهـ.

أقول: وكذلك نحن فإن الذين كفرناهم بالحكم بغير ما أنزل الله لم نكفرهم لحكمهم بالفروع بمعنى الجور بالقضاء ونحوه من غير استحلال كما هي طريقة الخوارج، وإنما كفرناهم لأن حكمهم بغير ما أنزل الله من النوع التشريعي الشركي المناقض لأصل التوحيد، ولأنهم اتبعوا حكمًا ومشرعًا غير الله عز وجل، وابتغوا دينًا وشريعة غير دينه وشريعته.. وأيضًا لتوليهم أهل الشرك وطواغيته على اختلاف ألوانهم، ومظاهرتهم على الموحدين..

فافهم هذا ولا تكن ممن تنطلي عليهم تلبيسات مرجئة العصر وتخبطاتهم، وفرّق بين ما يُكفّر به الرسل وأتباعهم، وبين ما يُكفّر به الخوارج وأشياعهم.

ثم اعلم أن التشريع والاستبدال كفرم مجرد لا يقال فيه؛ هل استحل أو اعتقد أو جحد ؟ فهذه التقييدات إنما هي في النوع الآخر الذي خلّط فيه الخوارج.

فأهل الكتاب الذين أنزل الله تعالى فيهم: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) [التوبة: 31] ، كفروا بالتشريع وطاعة المشرعين في ذلك ومتابعتهم لهم على تشريعاتهم، ولا يقال كفروا لاعتقادهم أنه حرم على الحقيقة أو أبيح على الحقيقة أو أنهم استحلوا التشريع (الاستحلال القلبي) أو أنهم اعتقدوا أن لهم حقًا في الألوهية أو الربوبية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت