فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 370

ننبهك أخا التوحيد إلى معنيين للتحريم غير المعنى التشريعي الذي يقابل التحليل؛ أحدهما عرفي والآخر لغوي.

قد يتلاعب بهما مرجئة العصر ويحاولون خلطهما عليك بالتشريع والتبديل الذي يمارسه ويدين به طواغيتهم [1] .

فالعرفي: هو لفظة (التحريم) التي يستعملها الناس ويريدون بها اليمين، فلا يقال فيمن ظاهر امرأته وقال:"أنت عليَّ حرام كظهر أمي"مثلًا أنه مشرّع أو بدّل حكم الله .. بل ذلك عند الفقهاء يمين يحلفه الرجل ويقطعه على نفسه بهجران زوجته وعدم مسها، لغضب أو عقوبة أو نحوه، وقد ذمه الله تعالى وجعل فيه أغلظ الكفارات، تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا .. فدل هذا على أن المراد بالتحريم ها هنا (اليمين) ، إذ التشريع لا كفارة يمين له يا أولي العقول [2] .

ثم هناك فرق يتميز فيه هذا النوع من التحريم عن التحريم التشريعي الذي يقابل بالتحليل والإباحة ويفعله المشركون مع الله، وهو ما ذكره الشاطبي في الاعتصام من أن المحرِّم باليمين"لا يلزم بهذا التحريم إلا نفسه ولا يُعدى هذا التحريم إلى غيره"كما هو الشأن في التحريم الكفري الذي يجتمع عليه المشركون ويتواطؤون ويصطلحون ويلزمون به من هو تحت سلطانهم. ثم اليمين التحريمية تتعلق بالمنع فقط وليس لها علاقة بالتحليل ولا بالإباحة خلافًا للتشريع الذي يتطرق للتحليل والإباحة كما يتطرق للتحريم .. وهذا أمر بيّنٌ واضح ..

فمن هذا النوع - أعني التحريم باليمين قول النبي صلى الله عليه وسلم المروي في صحيح البخاري أنه قال لبعض نسائه:"كنت أشرب عسلًا عند زينب فلن أعود له وقد حلفت"فقوله صلى الله عليه وسلم:"فلن أعود له"هو معنى ما تعارف عليه الناس من (التحريم) في معنى اليمين في قولهم:"هذا علي حرام"أو قولهم:"حرام علي كذا وكذا إن لم أفعل كذا"فليس مثل هذا ولا في قول النبي صلى الله عليه وسلم:"ولن أعود له"تشريع ولا تبديل ولا تقنين ولا تواطؤ أو إصطلاح أو اجتماع كما يورد أعداء الله في إلزاماتهم .. إذ في هذه القولة نزل قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) [التحريم: 1] ، إلى قوله: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) [التحريم: 2] ، وإذا كان تحليل مثل هذا هو الكفارة، علم أن تحريمه كان يمينًا لا تشريعًا ولا تبديلًا ..

فلا نلتفت بعد هذا إلى تلبيسات مرجئة العصر وإلزاماتهم الكفرية الفاسدة عندما تجادلهم في كفر طواغيتهم المشرعين، فيحتجون بأمثال هذه الآيات ويقولون:"الرسول حرّم فهل هو كافر؟؟".. (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا) [الكهف: 5] فقد علمت مما تقدم أن هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت