ليس تشريعًا، وما كان للنبي صلوات الله وسلامه عليه أن يشرع إذ هو ليس بمشرع ولا يحل له ذلك.. إن هو إلا وحي يوحى.. وما هو إلا نذير ومبلغ عن المشرع الواحد الأحد..
والمعنى الآخر: هو (التحريم) الذي يأتي ويراد به معناه اللغوي المحض، لا الاصطلاحي الشرعي التشريعي.. وهو الامتناع المجرد ومنه قول امرىء القيس:
جالت لتصرعني فقلت لها اقصري إني امرؤ صرعي عليك iiحرام
أي "ممتنع". وقول الآخر:
حرام على عيني أن تطعما الكرى وأن ترفئا حتى ألاقيك يا iiهند
أي: "ممنوع على عيناي".. هذا إن لم يرد اليمين، فيلتحق بالمعنى العرفي الأول.
وقل قال تعالى: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ) [القصص: 12] ، فليس المراد في هذا، التحريم التشريعي وإنما المنع فقط. قال القرطبي: "أي منعناه من الارتضاع" وقال: "وهذا تحريم منع لا تحريم شرع" اهـ.
ومثله قوله تعالى: (فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً) [المائدة: 26] ، قال القرطبي: "معنى محرمة: أي أنهم ممنوعون من دخولها" وقال في هذا الموضع أيضًا: "فهو تحريم منع لا تحريم شرع" اهـ.
فتنبه إلى هذا المعنى واعلم أنه غير المعنى التشريعي الذي جعله الطغاة اليوم من خصائصهم وحقوقهم وسلطاتهم هم وأتباعهم وبرلماناتهم، ويتواطؤون عليه ويصطلحون، ويتفقون.. فإن جاءك بعض أوليائهم من مرجئة العصر المجادلين عنهم بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) [المائدة: 87] .. الآية. وقالوا: هؤلاء قد شرعوا، ومع هذا خاطبهم الله بنداء الإيمان.. !
فقل لهم: المراد بهذا يا أعداء أنفسكم التحريم بمعناه اللغوي المحض، لا التشريعي الذي يمارسه طواغيتكم والذي هو صنو التحليل وأخوه..
فالمراد منع النفس عن بعض الطيبات التي أحلها الله لعباده، نذرًا أو تقشفًا وترهبًا.. بدليل أنها نزلت بسبب جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أرادوا الامتناع من تناول بعض الطيبات زهدًا في الدنيا وتقشفًا.. فلا هم شرعوا ولا بدلوا ولا قننوا. أو تحمل على المعنى السابق، أعني (اليمين) كما ذكر المفسرون في هذه الآية، وهو مروي عن ابن عباس، أن الذين أرادوا الامتناع عن بعض الطيبات، كانوا قد حلفوا على ذلك فلما نزلت هذه الآية.. قالوا: ما نصنع بأيماننا؟ فأنزل الله قوله تعالى بعد ذلك مباشرة: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ..) [المائدة: 89] الآية، وبها استدل الشافعي رحمه الله على قوله بأن الحلف أو اليمين لا يتعلق بهما تحريم الحلال وأن تحريم الحلال لغو، فلا كفارة على من قال مثل ذلك عنده وعند مالك رحمهما الله تعالى، وسواء كان الصواب هذا المعنى أو ذاك.. فكلاهما ليس من التشريع في شيء كما عرفت..